رئيس التحرير
عصام كامل

نجوم تراهم ولا تسمعهم.. حكايات أصوات اختفت من أفلام أصحابها

نجوم ظهروا في أفلام
نجوم ظهروا في أفلام بغير أصواتهم، فيتو
18 حجم الخط

ماذا لو شاهدت فنانًا تحبه على الشاشة، وسمعت صوته، وأنت في الحقيقة لا تسمع صوته هو؟

في السينما، الصورة ليست دائمًا مطابقة للصوت، وهناك أفلام شهيرة ظهر فيها نجوم بأجسادهم وملامحهم، لكن أصوات شخصياتهم خرجت من حناجر فنانين آخرين، أحيانًا يكون السبب خلافًا بين الممثل والمخرج، وأحيانًا تفرض ظروف السفر أو الإنتاج اللجوء إلى الدوبلاج، وفي حالات أخرى يكون الأمر قرارًا فنيًا يهدف إلى الوصول لصوت أكثر ملاءمة للشخصية.

والأغرب أن بعض هذه الحكايات ظلت لسنوات بعيدة عن الجمهور، إلى أن كشفها أصحابها أو أبناؤهم، أو أعاد الجمهور اكتشافها بعد مشاهدة الفيلم مرة أخرى.

حمدي غيث.. أبو سفيان الذي لم يكن صوته

من أشهر هذه الحكايات قصة الفنان حمدي غيث في فيلم «الرسالة»، الذي قدم فيه شخصية أبو سفيان.

الفيلم الذي أخرجه مصطفى العقاد كان يحمل في البداية اسم «محمد رسول الله والذين معه»، قبل أن يستقر اسمه على «الرسالة»، ووفق المعلومات المنشورة عن الفيلم، استعان العقاد بالفنان عادل المهيلمي لأداء صوت شخصية أبو سفيان التي جسدها حمدي غيث، بعد خلاف وقع بين غيث والمخرج قبل تنفيذ مكساج الصوت.

الفنانان حمدي غيث وعادل المهيلمي
الفنانان حمدي غيث وعادل المهيلمي

وهنا تصبح المفارقة واضحة: الوجه الذي يراه المشاهد هو حمدي غيث، لكن الصوت الذي يسمعه في المشاهد هو عادل المهيلمي.

لكن الحكاية لم تتوقف عند حدود الدوبلاج، ابنة حمدي غيث، مي، روت أن دور أبيها في «الرسالة» كان من أكثر الأدوار التي تركت أثرًا سلبيًا في نفسه، وأنه لم يشاهد الفيلم ولو مرة واحدة طوال حياته بسبب الخلاف الذي وقع مع مصطفى العقاد، وعدم استكماله دوبلاج الشخصية بصوته.

واللافت أن حمدي غيث لم يكن مجرد ممثل يجيد نطق العربية الفصحى، بل كان معروفًا بتمكنه من اللغة، وبصوته الجهوري الذي أصبح جزءًا أساسيًا من حضوره الفني، حتى إن صوته وحده كان قادرًا على منح الشخصية ثقلًا وهيبة.

حمدي غيث.. الفنان الذي أنقذه صوت «أبو ذر»

والمفارقة الأخرى في حياة حمدي غيث أن صوته نفسه كان سببًا في إنقاذ مسيرته الفنية في واحدة من أصعب فترات حياته.

فقد تعرض غيث في فترة من حياته للاتهام بالشيوعية، وهو ما أدى إلى فصله من المسرح القومي. وفي الوقت نفسه كان يؤدي شخصية الصحابي أبو ذر الغفاري في عمل إذاعي.

استمع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى الأداء، وأُعجب به، ووفق الرواية المتداولة عن الواقعة قال إن الفنان الذي يؤدي شخصية أبو ذر بهذا الإتقان لا يمكن أن يكون شيوعيًا أو ملحدًا، ثم صدر قرار بعودة حمدي غيث إلى عمله بالمكان والأجر اللذين يختارهما.

وهكذا يصبح صوت حمدي غيث نفسه بطلًا في حكاية أخرى، لكنه في «الرسالة» تحديدًا لم يكن الصوت الذي يسمعه الجمهور.

 

منير معاصري.. وجه لبناني بصوت حسين الشربيني

ولا تتوقف لعبة الأصوات في فيلم «الرسالة» عند حمدي غيث.

منير المعاصري وحسين الشربيني
منير المعاصري وحسين الشربيني

فمن الحكايات المتداولة عن الفيلم أن صوت الفنان اللبناني منير معاصري جرى تسجيله بصوت الفنان المصري حسين الشربيني، وذلك بسبب لين صوت منير المعاصري ليظهر على الشاشة ممثل ويصل إلى المشاهد صوت ممثل آخر.

 

وهي طريقة تكشف حجم العمل الصوتي الذي كان يتم خلف الكاميرا في السينما، خصوصًا في الأفلام التي تحتاج إلى إعادة تسجيل بعض الحوارات بعد التصوير.

وبذلك يمكن أن تشاهد ممثلًا لبنانيًا على الشاشة، بينما تتلقى كلماته بصوت فنان مصري، من دون أن تعرف ذلك إلا إذا بحثت وراء كواليس الفيلم.

 

محمود عبد العزيز.. «شيطان الجزيرة» بصوت محمد خيري

 

ومن الحكايات الأخرى التي تستحق التوقف عندها ما ارتبط بفيلم «شيطان الجزيرة» الذي قدمه محمود عبد العزيز ويسرا عام 1978.

بحسب الرواية المتداولة عن كواليس الفيلم، لم يتمكن محمود عبد العزيز من العودة إلى دمشق في الموعد المطلوب لتسجيل صوته خلال مرحلة الدوبلاج، رغم استدعائه، فاستعان المخرج اللبناني سمير الغصيني بالفنان محمد خيري لتسجيل الصوت بدلًا منه.

فيلم شيطان الجزيرة
فيلم شيطان الجزيرة

وهنا أيضًا أصبح المشاهد أمام معادلة مختلفة: محمود عبد العزيز هو الذي يظهر أمام الكاميرا، لكن الصوت الذي تسمعه الشخصية في النسخة المدبلجة ليس صوته.

 

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها المخرج إلى الحل نفسه، إذ ترد روايات عن استعانته بالفنانة هالة فاخر لتسجيل صوت مديحة كامل في فيلم «قطط شارع الحمرا» بعدما حالت ظروف وجودها في القاهرة دون حضورها إلى بيروت لتسجيل الصوت.

الفنان محمد خيري
الفنان محمد خيري

أحمد هارون.. لا صوته ولا اسمه في «سهر الليالي»

لكن واحدة من أغرب الحكايات جاءت بعد سنوات طويلة، عندما كشف أحمد هارون بنفسه ما حدث معه في فيلم «سهر الليالي».

الفيلم صُور عام 2001، وعُرض عام 2003، وكان أول ظهور سينمائي لهارون، لكنه اكتشف أن صوته أُزيل من مشاهده واستُبدل بصوت الفنان عمرو واكد، وتؤكد بيانات طاقم الفيلم بالفعل تسجيل عمرو واكد باعتباره صاحب الأداء الصوتي لشخصية وائل، بينما يظهر أحمد هارون ضمن طاقم التمثيل في الدور نفسه.

الفنان أحمد هارون وعمرو واكد
الفنان أحمد هارون وعمرو واكد

وقال هارون في تصريحات إعلامية إن مرحلة الدوبلاج تأجلت لفترة، وخلالها كان بعيدًا عن العمل، ثم فوجئ بعد ذلك باستخدام صوت عمرو واكد في مشاهده.

لكن المفاجأة لم تتوقف عند الصوت.

هارون قال أيضًا إن اسمه كُتب بشكل خاطئ على تتر الفيلم، ليظهر باسم «أحمد سيف الدين» بدلًا من «أحمد هارون». وهو ما جعل تجربته في الفيلم تبدو وكأنها عملية محو كاملة لهويته الفنية: صورته موجودة، لكن صوته ليس موجودًا، وحتى اسمه لم يُكتب صحيحًا.

ولهذا جاءت جملته التي تلخص المفارقة كلها: إذا لم يكن صوته موجودًا، واسمه كُتب خطأ، وحتى المشاهد التي يؤدي فيها ركوب الخيل كان هناك من يريد إعادة تصويرها، فماذا يتبقى له من الدور؟

حين يكون النجم حاضرًا.. وغائبًا في الوقت نفسه

هذه الحكايات تكشف جانبًا مختلفًا من صناعة السينما، جانبًا لا يظهر للمشاهد عادة.

فالفيلم الذي نراه على الشاشة هو نتيجة عشرات المراحل، والتصوير ليس دائمًا النهاية. هناك تسجيل أصوات، ومكساج، ودوبلاج، وإعادة تسجيل للحوار، وأحيانًا استبدال صوت ممثل بصوت ممثل آخر لأسباب إنتاجية أو فنية.

لكن المفارقة الأجمل أن بعض هذه الأصوات أصبحت مرتبطة في ذاكرة الجمهور بوجوه لم تنطق بها أصلًا.

حمدي غيث ظل وجه أبي سفيان في «الرسالة»، رغم أن صوته لم يكن صوته. وأحمد هارون ظهر في «سهر الليالي»، لكن صوت الشخصية جاء من عمرو واكد. وممثلون آخرون دخلوا أفلامًا بأصوات غير أصواتهم بسبب ظروف ربما لم يعرفها الجمهور إلا بعد سنوات.

وفي النهاية، تبقى السينما فنًا لا يعتمد على الصورة وحدها، ولا الصوت وحده؛ وإنما على ذلك السحر الذي يجعل المشاهد يصدق أن الشخص الذي يراه أمامه هو نفسه الشخص الذي يسمعه.

وكان تسجيل الصوت منفصلا عن التصوير وذلك للتخلص من الضوضاء المحيطة المزعجة في موقع التصوير مثل أصوات المرور أو أجهزة الإضاءة، وإصلاح الحوار التالف أو غير الواضح الذي تعذر نقاوته أثناء الهندسة الصوتية، وكذلك لإتاحة الفرصة للممثل لتحسين أداء النبرة أو وضوح مخارج الحروف داخل استوديو عازل للصوت.

وأحيانًا، كما تقول هذه الحكايات، تراه بوضوح.. لكنك لا تسمعه أصلًا.

الجريدة الرسمية