رئيس التحرير
عصام كامل

الفن وسنينه

الملك يحيى الفخراني يعيد البريق إلى المسرح القومي

18 حجم الخط

سيظل دائمًا المسرح هو أبو الفنون وأكثرها شمولا ومتعة، مهما حدث من تطور رهيب في أدوات وتقنيات السينما والتليفزيون، فالمسرح يمثل علاقة مباشرة وردود أفعال سريعة ولحظية بين الفنان والجمهور لا ينافسه فيه فن آخر.
ولطالما كانت ومازالت علاقتي بالمسرح علاقة قوية ومختلفة وقديمة حتى قبل دخولي إلى بلاط صاحبة الجلالة الصحافة، ومن خلال عملي الصحفي عايشت واستمتعت من كثب بعشرات من أجمل العروض المسرحية لكبار الكتاب.. 

أمثال شكسبير والفريد فرج وعلي سالم وسمير خفاجي وسمير عبد العظيم، والنجوم عادل إمام وسمير غانم وجورج سيدهم ونور الشريف وفؤاد المهندس ومحمد عوض، ولا يمكن أن أنسى مسرح الفن للراحل جلال الشرقاوي الذي وقف على خشبته وتخرج منه العديد من أبرز الفنانين من مختلف الأجيال.


ولكن لأسباب كثيرة ومتشعبة لا يتسع المقال لذكرها، اختفى أو كاد المسرح في السنوات العشرين الأخيرة، بشقيه الخاص والعام واقتصر على بعض العروض القليلة على فترات متباعدة أغلبها في المولات التجارية والفنادق الكبرى أو على خشبة المسرح القومي، الذي كان رأس الحربة لعقود طويلة فيما شهدته مصر من نهضة مسرحية منذ حقبة الستينيات حتى بداية الألفية الجديدة، قبل أن يتراجع دوره هو الآخر!

دعوة على شرف الملك 

وكم كانت سعادتي عندما تلقيت دعوة كريمة من صديقي وزميل دراستي في كلية الإعلام، الفنان القدير الدكتور أيمن الشيوي رئيس قطاع المسرح بوزارة الثقافة، لمشاهدة العرض المسرحي الكبير الملك لير للكاتب الإنجليزي الأشهر وليم شكسبير وبطولة العملاق يحيى الفخراني أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية، هذا الفنان العظيم الذي له مكانة خاصة جدا في قلبي وقلوب الملايين من عشاق فنه الرفيع.


يشاركه النجم الرائع طارق دسوقي مع نخبة من نجوم المسرح القومي الموهوبين، وإخراج المتميز شادي سرور.
الحقيقة في البداية كنت مشفقا على صديقي الدكتور أيمن الشيوي من هذه التجربة التي أعاد بها الفخراني إلى خشبة المسرح القومي للمرة الثالثة بعد غياب.. 

 

وكان قد لعب بطولة العرض مرتين عامي 2001 و2019 مع كوكبة من النحوم المرموقين مثل سوسن بدر وريهام عبد الغفور وأشرف عبد الغفور وأحمد عبد الحليم ورانيا فريد شوقي، وهو ما لا يتوافر الآن، كذلك أشفقت على الفخراني من المجهود الكبير في هذا العرض وهو في هذه السن المتقدمة.


ولكن راهن الدكتور أيمن الشيوي منذ أن كان مديرا للمسرح القومي على هذا الحلم وهذه التجربة المثيرة بكل قوة، وتحدى كل الصعاب والتحذيرات والتوقعات بعدم القدرة على معانقة النجاح والاستمرار فيه هذه المرة لفترة طويلة، ولكنه كسب الرهان وحصد النجاح المدوي طوال أكثر من 225 ليلة عرض حتى الآن، ومازال مستمرا إلى ما شاء الله، كان فيها المسرح القومي كامل العدد، وهو شيء كبير يستوجب التحية والتقدير له ولكل نجوم العرض الذي سأتناوله في السطور التالية.

الفخراني عاد شابا 

الملك لير، هي أحد أقوى المسرحيات التي كتبها شكسبير وأكثرها ميلو دراما ومأساوية، تدور في بداية القرن السادس عشر، حول لير ملك إنجلترا الذي بلغ من العمر أرذله وشعر بقرب نهايته، فقرر بدون وجه حق أن يقسم مملكته على بناته الثلاث جونريل وريجان وكورديليا الصغرى التي كان يعتبرها قرة عينه.. 

ولكونه يعشق المديح والتملق، حرم كورديليا من نصيبها وغضب عليها لأنها لا تجيد هذه الأمور عكس شقيقتيها اللتين فازتا بنصيبها مع نصيبيهما أيضًا، وتتصاعد الأحداث عندما يكتشف الملك الظالم حقيقة ابنتيه البشعة، بعد أن تنكرتا له وأساءتا معاملته وأرادتا التخلص منه نهائيًا.


العرض ليس عن عقوق الأبناء كما يبدو فقط، بل هو عرض يحمل معان وإسقاطات عديدة ورمزيات على الواقع في كل زمان ومكان، الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي الخ. عرض مبهر أعاد للمسرح القومي بريقه ورونقه ومكانته من جديد، أبدع كل من شارك فيه أيما إبداع، فهنيًا له ولهم ولنا بهذا العرض الراقي..

 
العملاق يحيى الفخراني الذي أتصور أنه قد عاد شابًا يملأ المسرح بحيوية ونشاط، النجم القدير الذي سجل ريمونتادا رائعة طارق دسوقي في دوره البديع ايرل جلوستر، أحمد عثمان الفنان المفاجأة في دور إدموند الشرير الداهية، المتألقة أمل عبد الله صاحبة الضحكة الملفتة في دور جونريل الابنة الكبرى للملك، المجتهدة هدير طارق أو ريجان  الأبنة الوسطى، السندريلا الرقيقة لقاء علي الإبنة الصغرى الطيبة كورديليا.. 

كذلك تحية لباقي نجوم المسرح القومي المبدعين الذين يستحقون فرصا أخرى كثيرة ومنهم تامر الكاشف، حسن يوسف، محمد عزايزي، طارق شرف، وتحية خاصة لمايسترو العمل المخرج المتميز شادي سرور الذي قدم عرضا رائعًا ومهما استخدم فيه كل تقنيات المسرح الحديث، هو وكل فريق العرض من ديكور وملابس وموسيقى وخدع وجرافيك ونحت، فهنيئا لهم جميعا بهذا العرض الذي جعلنا نقول لسة الأماني ممكنة في عودة االمسرح المصري إلى سابق عهده ومجده.

الجريدة الرسمية