سكان غزة يخوضون معركة البقاء الأخيرة.. مياه ملوثة وخيام تغرق في البرك الراكدة والصرف الصحي.. أطفال يواجهون الأوبئة ومرضى ينتظرون دواء بلا أمل
حذرت ممثلة الصحة العالمية في الأراضي المحتلة راينهيلد فان دي ويرد من تفشي الأمراض والأوبئة داخل مخيمات النازحين في قطاع غزة في ظل الحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على القطاع..
هنا غزة؛ حيث المخيمات المكتظة التي تغمرها مياه الصرف الصحي، والبرك الراكدة والمياه الملوثة، فيما يتصاعد سعال الأطفال وسط تلال القمامة المتراكمة.
هنا غزة؛ حيث تبحث الأمهات عن دواء يوقف إسهال أطفالهن، فلا تجد سوى أبواب مغلقة وأرفف خاوية.
هنا غزة؛ حيث تبدو الأمراض امتدادا لمعاناة لا تنتهي.

هنا غزة؛ حيث تتحول خيام النازحين الفلسطينيين إلى بيئة خصبة للبعوض والقوارض والطفيليات، ويجد العفن طريقه إلى جدرانها وأجساد ساكنيها.
هنا غزة؛ حيث مستشفيات أنهكها القصف، وأدوية شحيحة، ومستلزمات طبية لا تكفي لإنقاذ المرضى.
هنا غزة؛ حيث يصبح المرض أكثر قسوة من مجرد تشخيص على ورقة بين طفل يتلوى من الألم، ومريض سرطان ينتظر جرعة علاج قد لا تصل، وعائلة بأكملها تبحث عن منفذ للخروج طلبا للعلاج، فتجد أمامها ألف باب وباب مغلقا.
هنا غزة التي تخوض أجساد ساكنيها معركة ضد الأمراض الجلدية، والالتهابات والأوبئة، بينما يقترب موسم الأمطار حاملا معه خطرا جديدا قد يجعل من المخيمات المغمورة بالمياه مصائد للمرض والموت، بحسب ممثلة الصحة العالمية في الأراضي المحتلة راينهيلد فان دي ويرد.
زيادة ملحوظة في حالات الإسهال الحاد
تقول فان دي ويرد: بينما لا نزال غير قادرين على توفير الحد الأدنى من كميات المياه اللازمة للسكان، فإن جودة المياه وتلوثها ما زالا يمثلان مشكلة رئيسية في غزة، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في حالات الإسهال الحاد، حيث تضاعف عدد الحالات من 27 ألفا في مارس إلى أكثر من 48 ألفا في أغسطس الماضي.

ونتوقع أن تؤدي الأمطار إلى فيضان المخيمات المكتظة، وانتشار مياه الصرف الصحي والقمامة والمياه الملوثة في الأماكن التي ينام فيها السكان ويعدون أطعمتهم ويرعون أطفالهم، ما سيزيد من خطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه.
وتضيف: يمثل تكاثر الآفات والبعوض والبكتيريا أزمة كبيرة خلال موسم الأمطار القادم، في ظل عدم قدرة النظام الصحي المتهالك أصلا في غزة على التعامل مع تفشي الأمراض، وحاجة القطاع إلى مزيد من الملاجئ الدائمة، وإمدادات المياه المستدامة، سواء كما أو نوعا؛ فضلا عن احتياجه إلى أنظمة لإدارة النفايات، وإلزام سلطات الاحتلال الإسرائيلي برفع الحظر عن دخول مستلزمات المختبرات وتشخيص الأمراض إلى غزة.
تزايد التلوث الميكروبيولوجي
بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، عاني قطاع غزة من تزايد التلوث الميكروبيولوجي خلال الفترة بين يناير وأغسطس الماضيين بنحو ثلاثة أضعاف، وهو ما أثبته تحليل أكثر من 6700 عينة مياه؛ حيث ارتفع بنحو 6% في يناير، ثم إلى أكثر من 18% في أغسطس 2026.

وتزايد التلوث الميكروبيولوجي هو ارتفاع مستمر وغير منضبط في أعداد الكائنات الحية الدقيقة الضارة (مثل البكتيريا، الفيروسات، الفطريات، والطفيليات) أو سمومها داخل وسط معين؛ ويجعل هذا الارتفاع الوسط الموجود به غير آمن للاستخدام البشري.
وفي تصريحات نقلها الموقع الإلكتروني لمنظمة الأمم المتحدة، تقول دي ويرد: "لا أعتقد أنكم بحاجة لأن تكونوا خبراء في الصحة العامة أو علماء أوبئة مثلي لتدركوا ما ينتظرنا. فالفيضانات في هذه الأماكن المكتظة ستؤدي إلى انتشار مياه الصرف الصحي والنفايات والمياه الملوثة إلى أماكن نوم الناس وطهيهم ورعاية أحبائهم.
كما ستوفر المياه الراكدة بيئة خصبة لتكاثر البعوض والآفات الأخرى. وستصبح الخيام رطبة، وسينتشر فيها العفن، مما يزيد من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض، بما في ذلك أمراض الجهاز التنفسي، وخاصة بين الأطفال الصغار جدا".
أكذوبة الاستخدام المزدوج
ضمن مخططات حرب الإبادة، تضع سلطات الاحتلال الإسرائيلي أجهزة طبية معترف بها دوليا ضمن لوائح "الاستخدام المزدوج"، حيث تزعم إسرائيل أن لهذه الأجهزة استخدامات عسكرية محتملة، مثل أجهزة الأشعة السينية، والتصوير المقطعي، والموجات فوق الصوتية، ومراقبة المؤشرات الحيوية وتخطيط القلب، وقياس نبضات الجنين، والتنفس الصناعي، ومولدات الأكسجين وغيرها.
كما تصنف سلطات الاحتلال الإسرائيلي الأطراف الصناعية ضمن قائمة الأجهزة "ذات الاستخدام المزدوج"، ما يحرم نحو 5000 فلسطيني ممن خضعوا لعمليات بتر في غزة، من الحصول على أطراف اصطناعية، أو الخضوع لجراحات تصحيحية تضمن تركيب الطرف الاصطناعي بشكل ملائم، بحسب منظمة الصحة العالمية.
وتحت مظلة الاستخدام المزدوج الواهية، تفتقر غزة حاليا إلى أدوية حيوية لعلاج السرطان، بما في ذلك العلاج الإشعاعي، ومسكنات الألم.

ويقول رئيس مركز علاج السرطان في مستشفى ناصر بغزة محمد أبو ندى في تصريحات سابقة لمجلة "+972": هناك نحو 11 ألف شخص في غزة يتعايشون حاليا مع مرض السرطان، مع تسجيل حوالي 2000 حالة جديدة سنويا. وهناك أكثر من 4000 مريض لديهم تحويلات عاجلة لتلقي العلاج في الخارج لكنهم عاجزون عن المغادرة. ويموت ثلاثة مرضى فلسطينيين يوميا نتيجة عدم قدرتهم على تلقي العلاج الكيميائي أو السفر للخارج لتلقي العلاج.
تفشي الأمراض الجلدية
تمتد خطورة الأوضاع الصحية التي يعيشها سكان عزة على استقامتها، لتشمل تفشي الأمراض الجلدية؛ إذ أعلنت منظمة الأمم المتحدة، في 8 يوليو الماضي، تسجيل 9300 إصابة بجدري الماء خلال أسبوعين فقط، بينها أكثر من نصف الحالات في محافظة خان يونس، مشيرة إلى أن تفشي المرض يعود إلى الاكتظاظ الشديد، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي داخل المخيمات.
كما رصدت فرق الأمم المتحدة انتشار القوارض والطفيليات في 83% من مواقع النزوح، إلى جانب تراكم النفايات، وتجمع مياه الصرف الصحي، والمياه الراكدة، ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض.
غياب الأدوية الأساسية
وفي وقت تتسع فيه دائرة الأمراض داخل قطاع غزة، تتراجع في المقابل قدرة المرضى على الحصول على العلاج، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الفحوصات المخبرية. وتشير تقديرات وزارة الصحة في غزة إلى عدم توفر 47% من الأدوية الأساسية، و59% من المستلزمات الطبية، و87% من مواد الفحوصات المخبرية، فيما تعاني أكثر من 80% من مخيمات النازحين انتشارا واسعا للأمراض الجلدية، في ظل تفشي الجرب والقمل وبق الفراش.
ونقلت مجلة «+972» عن منسق منظمة أطباء بلا حدود في غزة، كريج كينزي، قوله إن ما تشهده غزة يمثل "أزمة إنسانية من صنع الإنسان بالكامل" بفعل الحصار الإسرائيلي، مشيرا إلى أن أكثر من نصف أدوية الأمراض المزمنة لم تعد متوفرة، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال مراهم علاج الأمراض الجلدية.
وأضاف كينزي أن الطواقم الطبية اضطرت إلى إجراء عمليات جراحية داخل الخيام، بينما امتدت تداعيات الحصار إلى قطاع المياه والصرف الصحي، الذي تعرض لدمار واسع.
وقال إن "إسرائيل دمرت نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في القطاع"، مؤكدا أن المأساة تزداد قسوة مع وجود المساعدات على بعد كيلومترات قليلة من غزة، بينما يبقى إدخالها مرهونا بالقيود الإسرائيلية.


