من سرقة «خردة» إلى مشهد سحل جماعي، كيف كشفت واقعة «لص المستشفى» عورة العنف المجتمعي؟
رغم البيان الكاشف لوزارة الداخلية منذ دقائق عن أسباب المقاطع المصورة التي وثقت واقعة تقييد وسحل شاب أمام أحد المستشفيات الخاصة بمنطقة العجوزة بالجيزة، عقب اتهامه بمحاولة سرقة "خردة"، إلا أن الواقعة أثارت حالة من التعاطف على مواقع التواصل الاجتماعي مع المتهم بسبب تعدي عدد من الأشخاص على فرد أعزل ومقيد، مما يطرح عددا من التساؤلات حول الأسباب التي تدفع بالمواطنين إلى تجاوز القانون، واستباحة كرامة الإنسان وإهانته بدنيًا ونفسيًا مهما كانت الأسباب؟
هل العدالة الذاتية بديل عن القانون ؟
حسب خبراء، هناك ظاهرة معروفة علميًا بـ «العدالة الذاتية» وهي سلوك اجتماعي يميل فيه الأفراد أو المجموعات إلى تطبيق العقاب بيدهم بعيدًا عن مؤسسات إنفاذ القانون، وترجع أدبيات علم الاجتماع الجنائي تصاعد هذه الظاهرة إلى غياب ثقافة قانونية شعبية تفرق بين «التحفظ السلمي» على المتهم المتلبس بجريمة لتسليمه للشرطة، وبين ممارسة السلطة العقابية.
ويرى الخبراء أن عدم الوعي بالقوانين الإجرائية يجعل الأفراد يتوهمون أن الإمساك بمتهم يمنحهم تفويضًا مطلقًا لممارسة دور القاضي والجلاد، متناسين أن حماية كرامة المتهم مهما كانت خلفيته أو طبيعة اتهامه هي أصل دستوري وقانوني ثابت لا يسقط بالتهمة.
السلوك العدواني الجماعي، ماذا يقول الطب النفسي ؟
يفسر الطب النفسي السلوك العدواني المفرط لعدد من الأشخاص بظاهرة «فقدان الهوية الفردية» والتي سيطرت على اهتمامات الأبحاث الاجتماعية منذ دراسات عالم النفس جوستاف لوبون، وتطورت مع تجارب فيليب زيمباردو، وتتلخص هذه الظاهرة في أن الفرد حين ينخرط داخل تجمهر غاضب، يتجرد من ضوابطه الأخلاقية وشعوره بالمسؤولية الفردية، ليذوب في عقل جمعي حاد الغريزة.
ووفقًا لدراسات عن سيكولوجية الجماهير، يوفر التجمهر للمشاركين حماية وهمية من العقاب وشعورًا زائفًا بالمشروعية الأخلاقية، مما يحفز شحنات العنف الكامنة ويجعل من المتهم المقيد ساحة مستباحة لتفريغ ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة لا علاقة لها بالواقعة محل ضبطه.
أسباب ممارسة العنف الجماعي
كما تشير أبحاث «التجريد من الإنسانية إلى أن المجموعات التي تمارس العنف الجماعي تلجأ شعوريًا أو للهروب من المسؤولية الأخلاقية إلى تجريد الضحية من صفته الإنسانية، واعتباره مجرد "عنصر فاسد" يستوجب العقاب الفوري، وهذا التحول النفسي يشرعن للمشاركين الضرب والسحل دون تأنيب ضمير، حيث يتم سلب المتهم كرامته وقيمته كبشر قبل أن تثبت إدانته أو تصدر بحقه كلمة القضاء.
ويرى خبراء أن الخطورة الحقيقية لمشاهد السحل والتعدي لا تقتصر على المساس بكرامة المتهم المقيد، بل تمتد لتقويض مفهوم "سيادة القانون" وتهديد السلم المجتمعي؛ فالعدالة التي تنتهك في الشارع تعيد المجتمع إلى بدائية قانون الغاب، علاوة على ذلك، فإن الشارع بإفراطه في العنف يحول المجني عليه أو الشاهد في نظر القانون إلى جاني يواجه عقوبات جنائية صريحة تنصب على احتجاز مواطن، والتعدي البدني، وإحداث إصابات عمدًا، وهي جرائم مستقلة تمامًا عن الجريمة الأصلية التي ارتكبها المتهم.
ويشدد الخبراء على أن هذه الواقعة تؤكد بوضوح على أن مواجهة ظواهر العنف تتطلب مسارًا توعيًا وحازمًا يتجاوز حدود معالجة الحادثة الفردية؛ إذ أضحت الحاجة ملحة لبث ثقافة قانونية ترسخ في الذهنية العامة أن احترام القانون يبدأ من احترام كرامة المتهم والمحافظة على سلامته حتى تسليمه للسلطات.
ويظل التحدي الأساسي أمام وسائل الإعلام والمؤسسات التوعوية متمثلًا في إعادة بناء الإدراك الجمعي، لنبذ طقوس الانتقام، والتأكيد على أن دولة القانون لا تستقيم إلا بحماية حقوق الجميع، متهمين وأبرياء، دون استثناء.
