موجات الحر المتتالية تحصد أرواح أكثر من 35 ألف شخص في أوروبا.. "ذا جارديان" البريطانية: الحصيلة مرشحة للارتفاع مع استكمال بيانات أغسطس وتفاقم تداعيات التغيرات المناخية
سجلت أوروبا أكثر من 35 ألف وفاة إضافية خلال موجات الحر الأربع القياسية والمتتالية التي ضربت القارة هذا الصيف، وفق تقديرات أولية تستند إلى بيانات تغطي نحو نصف دول القارة فقط، ما يرجح ارتفاع الحصيلة بشكل كبير بعد استكمال بيانات شهر أغسطس الجاري.
وقالت جريدة "ذا جارديان" البريطانية: إن حصيلة الوفيات الإضافية في ثلاث من أكبر دول الاتحاد الأوروبي، وهي ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، تجاوزت وحدها 25 ألف وفاة، مشيرة إلى أن الأرقام لا تزال مؤقتة، وأن الحصيلة النهائية قد ترتفع بصورة ملحوظة بعد تجميع بيانات محصلة الوفيات في الشهر الحالي، موضحة أن "موجات الحر المتعاقبة التي اجتاحت أوروبا الغربية منذ مايو 2026 حطمت الأرقام القياسية التاريخية لدرجات الحرارة في مئات محطات الرصد، فيما سجلت فرنسا أعلى متوسط لدرجة الحرارة على مستوى البلاد في تاريخها.
وفي ألمانيا، تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية أواخر يونيو الماضي في 46 محطة من محطات الرصد؛ بينما شهدت إسبانيا درجات حرارة تجاوزت 42 درجة مئوية بصورة مستمرة.
النشاط البشري من أسباب الاحتباس الاحتراري
ويؤكد العلماء أن الاحتباس الحراري الناجم عن النشاط البشري يجعل موجات الحر الشديدة أكثر تكرارا وحدة، بحسب التقرير الذي نشرته "ذا جارديان".
ويشير تقرير مؤشرات تغير المناخ العالمي إلى أن الأنشطة البشرية، مثل حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات وتربية المواشي والممارسات التي تطلق غاز الميثان وأكسيد النيتروز، رفعت متوسط حرارة الأرض بمقدار 1.37 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع استمرار ارتفاع الحرارة بمعدل قياسي يبلغ 0.27 درجة مئوية لكل عقد من الزمان.
ألمانيا تسجل أعلى حصيلة
وبحسب "ذا جارديان"، سجلت ألمانيا أعلى حصيلة للوفيات المرتبطة بالحرارة، إذ تشير التقديرات إلى وفاة نحو 14 ألف شخص بسبب الحر خلال الفترة من 6 أبريل 2026 وحتى 9 أغسطس الجاري.
ونقلت الجريدة عن معهد روبرت كوخ للصحة العامة أن نحو 9600 شخص توفوا في ألمانيا خلال أسبوع واحد فقط، بين 22 و28 يونيو 2026.
وأظهرت بيانات الوفيات الزائدة على مستوى الاتحاد الأوروبي، المتاحة منذ عام 2008، أن الأسبوع الوحيد الذي سجل معدل وفيات إضافية أعلى كان في يوليو 2022، عندما كانت جائحة "كوفيد-19" لا تزال نشطة.
وأشارت الجريدة إلى أن صيف 2026 أصبح الأسوأ في ألمانيا من حيث الوفيات المرتبطة بالحرارة منذ بدء تسجيل البيانات، متجاوزا الرقم القياسي السابق البالغ 8900 وفاة عام 2018، في حين تقل الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال فصول الصيف العادية عن ألفي حالة في كثير من الأحيان.
إسبانيا وفرنسا وإيطاليا تحت وطأة الحر
وفي إسبانيا، تشير بيانات نظام مراقبة الوفيات التابع لمعهد كارلوس الثالث للصحة، وهو الهيئة الوطنية الإسبانية المرجعية في أبحاث الطب الحيوي والصحة العامة وتطوير العلوم الطبية، إلى أن 4947 وفاة يمكن إرجاعها إلى الحرارة منذ مايو 2026 وحتى الأسبوع الجاري، ما يجعل العام الحالي أكثر الأعوام فتكا بالحرارة في البلاد، متجاوزا الرقم القياسي السابق البالغ 4520 وفاة عام 2022.

أما فرنسا، فقد سجلت أكثر من 500 محطة أرصاد درجات حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية، بينما خضع 98% من أراضي البلاد في إحدى مراحل موجة الحر لتحذيرات من ارتفاع درجات الحرارة.
وقالت الوكالة الوطنية للصحة في فرنسا، وفق ما أوردته "ذا جارديان": إن الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب زادت بنحو 7300 حالة بين أواخر مايو 2026 وحتى 22 يوليو الماضي، مع عدم توفر بيانات أغسطس بعد. وأوضحت أن التقديرات الأولية تستند إلى شهادات وفاة إلكترونية تغطي نحو 80% فقط من إجمالي الوفيات.
إيطاليا تنتظر الحصيلة النهائية
وفي إيطاليا، لم تعلن حتى الآن حصيلة وطنية نهائية، بسبب تأخر البيانات الصادرة عن نظام مراقبة الحرارة الذي يعتمد على بيانات البلديات المحلية. إلا أن نماذج إحصائية تشير إلى وفاة نحو 2700 شخص إضافي خلال أسبوع 22 إلى 28 يونيو الماضي وحده، فيما تتوقع تقديرات وبائية أن تتراوح حصيلة الوفيات المرتبطة بالحرارة في البلاد بين 5 آلاف و8 آلاف حالة عند استكمال تسجيلها رسميا.
ولا تقتصر التداعيات على الدول الكبرى، إذ أظهرت بيانات أولية في بريطانيا أن موجتي الحر اللتين ضربتا البلاد في مايو ويونيو الماضيين تسببتا في نحو 2877 وفاة مرتبطة بالحرارة في إنجلترا، وفق نماذج أعدتها وكالة الأمن الصحي البريطانية.
80 مليون أوروبي عانوا من ارتفاع درجات الحرارة
وفي بلجيكا، كشفت البيانات الأولية عن ارتفاع الوفيات بنسبة 39% بين 18 و29 يونيو الماضي، بما يعادل 1222 وفاة إضافية، بينما أفادت هولندا بوفاة ما لا يقل عن 900 شخص إضافي مقارنة بالمعدل المعتاد بين 22 يونيو و5 يوليو الماضيين.
كما قدرت دراسة نمذجة سريعة، استشهدت بها المفوضية الأوروبية، أن نحو 1070 وفاة إضافية وقعت في بولندا خلال موجة الحر في أواخر يونيو الماضي، فيما سجلت سويسرا نحو 220 وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة خلال الأسبوع نفسه.

وأشارت بيانات أولية من لوكسمبورج واليونان ورومانيا وبلغاريا والدنمارك إلى نحو 40 وفاة إضافية في كل دولة، في حين قدرت وكالة "فرانس برس" أن مناطق يسكنها أكثر من 80 مليون أوروبي شهدت درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية خلال الصيف الحالي.
التغيرات المناخية تفاقم الخطر
وأوضحت "ذا جارديان" أن احتساب الوفيات المرتبطة بالحرارة يمثل تحديا إحصائيا، لأن الحرارة نادرا ما تسجل باعتبارها السبب المباشر للوفاة. ففي كثير من الحالات تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تفاقم أمراض موجودة مسبقًا، مثل أمراض القلب والجهاز التنفسي، لينتهي الأمر بالوفاة نتيجة نوبة قلبية أو سكتة دماغية أو فشل كلوي.
ولهذا السبب، تعتمد دول مثل ألمانيا وإسبانيا على نماذج آنية تقارن درجات الحرارة اليومية بمعدلات الوفيات لتقدير عدد الوفيات التي يمكن نسبها إلى الحرارة، بينما قد يستغرق تحديد الحصيلة النهائية أسابيع أو عدة شهور.
وحذرت منظمة الصحة العالمية في مايو الماضي من ارتفاع الوفيات المرتبطة بالحرارة في المنطقة الأوروبية التابعة لها بأكثر من 30% خلال العقدين الماضيين، مشيرة إلى أن الحصيلة مرشحة للارتفاع بصورة كبيرة نتيجة أزمة المناخ وتقدم السكان في العمر.
وبحسب "ذا جارديان"، فإن الأرقام الحالية لا تمثل سوى جزء من الحصيلة الحقيقية، إذ لم تستكمل العديد من الدول بياناتها لشهر أغسطس الجاري، ما يعني أن إجمالي الوفيات المرتبطة بموجات الحر الأربع قد يتجاوز بكثير حاجز 35 ألف وفاة عند الانتهاء من تجميع البيانات وتدقيقها.
وبحسب الفيديو المرفق، شهدت أوروبا خلال شهري يوليو وأغسطس 2026 حرائق غابات وانخفاضا في منسوب المياه؛ فيما تعاني خزانات المياه والأنهار من انخفاض مناسيبها وسط موجة جفاف حادة.




