رئيس التحرير
عصام كامل

مع الجواهري في مقهى سلافيا..

حين يصبح الحنين قضية أمن وطني

18 حجم الخط

شملت جولتي الصيفية في أوروبا هذا العام، برفقة العائلة وعدد من الأصدقاء، زيارة مدينة براغ، عاصمة جمهورية التشيك؛ وهي مدينة قرأت كثيرًا عن تاريخها ومعالمها الحضارية، من القلاع والقصور والجسور والكنائس والأبراج، إلى أحيائها القديمة.. 

وفي مقدمتها الحي اليهودي الذي يحتضن أقدم معبد يهودي لا يزال مستخدمًا في أوروبا، وإحدى أقدم المقابر اليهودية الباقية فيها، شاهدًا على فصول صعبة من الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في القارة الأوروبية، ولا يزال الفلسطينيون، في مفارقة تاريخية قاسية، يدفعون اليوم ثمن جرائم لم يرتكبوها.

 

كنت أتطلع إلى زيارة هذه المعالم، ولذلك خصصت لبراغ أسبوعًا كاملًا، لكن المكان الذي استأثر باهتمامي أكثر من غيره كان مقهى «سلافيا» العريق، المطل على نهر فلتافا الجميل، والمواجه تقريبًا لمبنى المسرح الوطني. افتُتح المقهى عام 1884، وتحول مع مرور الزمن إلى ملتقى للأدباء والفنانين والمفكرين، ثم إلى فضاء يجتمع فيه عدد من معارضي الحكم الشيوعي.

 

أما سبب تعلقي بهذا المقهى قبل أن أراه، فهو أن الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري كان من رواده خلال إقامته في براغ، التي بدأت عام 1961 واستمرت في مرحلتها الأولى سبع سنوات متواصلة، قبل أن يعود إليها في فترات لاحقة. وفي منفاه (براغ) كتب بعض أجمل قصائده وأكثرها تعبيرًا عن الحنين إلى العراق.

 

وعندما حققت رغبتي وجلست في المقهى، غمرني مزيج من المشاعر المتناقضة. جميل أن يجد الإنسان مكانًا يلجأ إليه ويعيش فيه آمنًا مكرمًا إذا وطنه لم يوفر له ذلك، ومؤلم في الوقت نفسه أن يضطر إلى مغادرة وطنه، وأن يشعر بأن الأمان الذي وجده في الغربة جعله بعيدًا عن أرضه وجذوره وذكرياته.

 

كتب الجواهري في براغ بعض أروع شعره، لكن أجمل ما أبدعه بعيدًا عن العراق لم يكن احتفاءً بالغربة، بل تعبيرًا عن ألم الفقد والاقتلاع والحنين إلى الوطن.

وتُعرض في المقهى صورة للجواهري بقبعته المميزة، إلى جانب صور عدد من الأدباء والمفكرين والفنانين والسياسيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمكان. فقد كان «سلافيا» على امتداد تاريخه مقصدًا لشخصيات أدبية وفكرية تشيكية وعالمية، من بينها راينر ماريا ريلكه، وفرانز كافكا، والكاتب المسرحي والمعارض السياسي فاتسلاف هافل.

 

ولم يكن الجواهري شاعرًا يقف خارج التاريخ أو يراقبه من بعيد؛ فقد عمل مدة قصيرة في البلاط الملكي في عهد الملك فيصل الأول، ثم تركه واتجه إلى الصحافة، وأصدر عددًا من الصحف، وانتُخب نائبًا قبل أن يستقيل، وخاض معارك سياسية وفكرية، وتعرض للاعتقال والتضييق والملاحقة. وفي «وثبة يناير» عام 1948 فقد شقيقه جعفر، فخلده في قصيدته الشهيرة: «أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ … بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ»

 

ومنذ ذلك الوقت ظل الشعر عنده مرتبطًا بالوطن والحرية والعدالة، حتى عندما أبعدته السياسة عن العراق، وأصبحت براغ إحدى أهم محطات حياته.

وليست براغ مدينة الأدب والجمال وحدهما؛ فقد مرت بتجارب قاسية، من الاحتلال النازي إلى خضوع تشيكوسلوفاكيا للنفوذ السوفيتي، ثم قمع «ربيع براغ» عام 1968، وصولًا إلى «الثورة المخملية» عام 1989، التي أنهت الحكم الشيوعي بأقل قدر من العنف. وكان أحد أبرز رموزها فاتسلاف هافل، الكاتب المسرحي والمعارض وأحد رواد مقهى سلافيا، الذي خرج من دائرة الملاحقة والسجن ليصبح رئيسًا للبلاد.

 

وهنا تشكلت أمامي مفارقة لافتة: ففي المقهى الذي جلس فيه الجواهري شاعرًا منفيًا، جلس هافل كاتبًا معارضًا؛ وكلاهما أثبت أن الكلمة قد تُحاصر ويُضيَّق على صاحبها، لكنها تستطيع أن تعيش أطول من السجون والأنظمة.

 

لم أدرِ، عندما زرت المقهى، إن كنت قد جلست على الكرسي نفسه الذي اعتاد الجواهري الجلوس عليه، لكنني شعرت بحضوره في المكان؛ يحتسي قهوته، وينظر إلى نهر فلتافا، بينما يعبر وجدانه المسافات إلى دجلة:
«حييتُ سفحَكِ عن بُعدٍ فحيّيني … يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ»

 

كان أمامه نهر فلتافا، لكنه كان يرى دجلة. وفّرت له براغ الأمان والمأوى والتقدير، لكنها لم تستطع أن تمنحه بديلًا عن وطنه. وهكذا تتحول قصيدة المبدع، حين يفقد وطنه، إلى ذاكرة لأرض يخشى عليها من الضياع.

 

وأمام النهر، وما تستنهضه المياه في النفس من مشاعر وذكريات، لم تستطع روعة المكان أن تبعد تفكيري عن الأخطار والتحديات التي تواجهها بلادي ومنطقة الخليج، وسط الصواريخ والمسيّرات والتهديدات والابتزاز ومحاولات تعطيل الممرات البحرية وصراعات النفوذ. ورغم ثقتي الراسخة بقدرة قياداتنا وشعوبنا على مواجهة هذه التحديات، فإن مشهد براغ والجواهري يدعونا إلى التأمل في المعنى الأشمل لأمن الأوطان.

 

ليس المقصود أن نواجه الأخطار بالشعراء أو بالشعر وحده؛ فالقوة العسكرية، والتحالفات الفاعلة، والقدرة على الردع، ضرورات لا غنى عنها. لكن تجربة براغ تقول إن الأمن الحقيقي لا يكتمل بحماية الأرض والحدود فقط، وإنما يقتضي أيضًا أن يبقى الوطن بيتًا آمنًا لجميع أبنائه، وأن تقوم الدولة على المؤسسات والقانون، وأن تصبح الثقافة والفنون والكلمة الحرة جزءًا من مناعتها الوطنية.

 

كما ينبغي أن تُسنَد التحالفات الخارجية بجبهة داخلية متماسكة؛ لأن الضمانات الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا تعوض ضعف الداخل أو انقسام المجتمع. فالحروب لا تهدم المباني والمنشآت فقط، بل تبدد الطاقات، وتهاجر بسببها العقول، ويتحول مبدعو الأوطان إلى شعراء للحنين في مقاهي الآخرين.

 

إن أمن الوطن لا يُقاس فقط بقدرته على صد الصواريخ وحماية الحدود، بل أيضًا بقدرته على حماية الإنسان من الخوف والمنفى، وصون هويته وثقافته وكرامته. وأحسب أن هذه هي الرسالة الأعمق التي حملتها معي من مقهى سلافيا: أن أقوى الأوطان ليس فقط ما يصعب اختراق حدوده، بل ما لا يضطر أبناؤه إلى الوقوف بعيدًا عنه، ورثائه بقصائد الحنين.

الجريدة الرسمية