رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى جالديران، المعركة التي كسرت الفرس وفتحت أبواب مصر والمشرق أمام الدولة العثمانية

السلطان سليم الأول،
السلطان سليم الأول، فيتو
18 حجم الخط

في مثل هذا اليوم من عام 1514، شهدت سهول جالديران شمال غربي إيران واحدة من أعنف وأهم المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي والوسيط؛ حيث اصطدم العروش العثمانية والصفوية في مواجهة عسكرية ومذهبية كبرى انتهت بانتصار ساحق للسلطان العثماني سليم الأول على الشاه إسماعيل الصفوي، وسقوط العاصمة الصفوية تبريز في يد العثمانيين.

مقدمات الصراع بين العثمانيين والصفويين

لم تكن معركة جالديران مجرد نزاع على حدود ترابية، بل كانت ذروة صدام جيو-سياسي ومذهبي محتدم بين إمبراطوريتين صاعدتين. نجح الشاه إسماعيل الصفوي في توحيد بلاد فارس وفرض المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة، وتمدد بنفوذه نحو الأناضول مستغلًا الدعم الروحي والعسكري لفرسان القزلباش، وفي المقابل، اعتلى السلطان سليم الأول العرش العثماني بحزم مصممًا على حماية حدود دولته الشرقية، والقضاء على الخطر الصفوي قبل التوجه لنشر نفوذه في المشرق العربي، وحسم الصراع حول زعامة العالم الإسلامي.

كواليس الميدان، التكتيك العسكري وحسم المدفعية

التقى الجيشان في جالديران بتركيبة عسكرية ومفاهيم قتالية متباينة تمامًا، فالجيش الصفوي اعتمد كليًا على الفرسان وسلاح الخيالة السريعة (القزلباش)، معتمدًا على الشجاعة الفردية والسرعة في مناورة الأجنحة، مع تجاهل كامل لاستخدام الأسلحة النارية والمدفعية باعتبارها تنافي شرف الفروسية.

أما الجيش العثماني، فقد قرأ سليم الأول الميدان بأسلوب حديث، مجهزًا جيشه بسلاح الإنكشارية المزين بالبنادق التقليدية مع تنظيم صفوف المدفعية الثقيلة وتربيط العربات القتالية بالسلاسل الحديدية لتشكيل خط دفاعي صلب يمنع اختراق الخيالة.

عندما بدأ الهجوم الصفوي الشرس، اصطدم الفرسان بالجدار الدفاعي للعربات، وأمطرتهم المدفعية والبنادق العثمانية بوابل كثيف من النيران أدّى إلى تشتيت صفوف الصفويين وتكبيدهم خسائر فادحة، وهروب الشاه إسماعيل جريحًا من أرض المعركة تاركًا مخيماته وخزائنه.

نتائج جالديران، إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط

أسفرت معركة جالديران عن نتائج استراتيجية غيرت وجه المنطقة لقرون متتالية، حيث تقدم السلطان سليم الأول واحتل تبريز عاصمة الدولة الصفوية، واستولى على خزائن الشاه، وحمل معه مئات الصناع والمهرة إلى أستانة، وضم العثمانيون مناطق واسعة شملت أذربيجان، وكردستان، وشمال عراق العرب، وعراق العجم، مما أمّن حدود الدولة العثمانية الشرقية.

وتلقت الدولة الصفوية ضربة قاسية أوقفت تمددها العقائدي والعسكري نحو الأناضول، وألزمت الشاه إسماعيل الانكفاء داخل حدود فارس، كما فتح انتصار جالديران الباب أمام سليم الأول للتوجيه غربًا ونحو الجنوب، لخوض معاركه اللاحقة ضد الدولة المملوكية في مرج دابق وريدانية، وضم الشام ومصر والحجاز للسيادة العثمانية.

الجريدة الرسمية