رئيس التحرير
عصام كامل

من المعمل إلى الحقل، 180 فكرة بمسابقة الابتكار الزراعي 2026، البحث عن عقل يحوِّل العلم إلى حل في مواجهة أزمات المياه والتربة والغذاء

البحث الزاعي
البحث الزاعي
18 حجم الخط

في الزراعة المصرية، لا تبدأ المشكلة دائمًا من الحقل، ولا ينتهي الحل عند حدود المعمل؛ فبين الباحث الذي يكتشف فكرة جديدة، والمزارع الذي يبحث عن حل لمشكلة المياه أو التربة أو ارتفاع تكلفة الإنتاج، مسافة طويلة كثيرًا ما حالت دون وصول الابتكار إلى أرض الواقع. 

ومن هنا تبرز تجربة مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026»، التي تحاول أن تفتح هذا الطريق، ليس فقط لاكتشاف أصحاب الأفكار المبتكرة، وإنما لدفعهم إلى التفكير في كيفية اختبار أفكارهم وتحويلها إلى منتجات وخدمات ومشروعات قابلة للتطبيق والاستثمار.

وتحت مظلة المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، تحولت المسابقة في موسمها الأول إلى مساحة جمعت طلابًا وباحثين وأعضاء هيئات بحثية وشركات ناشئة، وطرحت أمام لجان علمية متخصصة أفكارًا تتعامل مع ملفات شديدة الارتباط بمستقبل الزراعة المصرية، من المياه والتربة والطاقة، إلى التقاوي وسلامة الغذاء والتصنيع الزراعي وإعادة تدوير المخلفات والزراعة الذكية.

وبين 180 متقدمًا في بداية المنافسة، و70 متسابقًا وصلوا إلى مرحلة التحكيم العلمي، ثم 40 متأهلًا إلى التصفيات النهائية والعروض التقديمية، تكشف التجربة عن سؤال أكبر من مجرد الفوز بمسابقة: هل تستطيع مصر بناء منظومة حقيقية تجعل الابتكار الزراعي ينتقل من ورقة بحثية أو نموذج أولي إلى منتج يقف في السوق ويصل إلى المزارع؟

 

من مسابقة إلى مشروع وطني للابتكار الزراعي

يقول الدكتور علي عبد العزيز، رئيس المسابقة ومؤسس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، إن مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026» جاءت باعتبارها منصة وطنية لاكتشاف الأفكار والابتكارات والبحوث التطبيقية القادرة على تقديم حلول واقعية للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي المصري، والعمل على تقريب المسافة بين البحث العلمي من ناحية، واحتياجات المزارع والسوق والاستثمار من ناحية أخرى.

ويؤكد أن المسابقة ليست هدفًا منفصلًا في حد ذاتها، وإنما إحدى الأدوات التي تعمل من خلالها المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، التي تتبنى مفهومًا أوسع يقوم على بناء بيئة متكاملة تجمع الباحث والجامعة والمركز البحثي والمزارع والقطاع الخاص والمستثمر وصانع القرار.
 

د.علي عبد العزيز
د.علي عبد العزيز

ويضيف أن الهدف هو الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الابتكار الزراعي جزءًا من منظومة التنمية الاقتصادية، وليس مجرد نشاط بحثي ينتهي بنشر ورقة علمية أو الحصول على جائزة.

وتسعى المسابقة، بحسب رئيسها، إلى تشجيع الشباب والباحثين ورواد الأعمال على توظيف العلم والتكنولوجيا في مواجهة المشكلات الزراعية، ودعم الأفكار القابلة للتحول إلى منتجات أو خدمات أو مشروعات، فضلًا عن نشر ثقافة الابتكار وريادة الأعمال في القطاع الزراعي.

وترتبط هذه الأهداف بصورة مباشرة بملفات الأمن الغذائي، وترشيد استخدام المياه والطاقة، والاستغلال الأمثل للموارد، ومواجهة آثار التغيرات المناخية، وزيادة كفاءة الإنتاج الزراعي، والتصنيع الزراعي، وتدوير المخلفات، ودعم الاستثمارات الخضراء والمستدامة.

ويشدد عبد العزيز على أن الهدف النهائي ليس فقط اكتشاف صاحب أفضل فكرة، وإنما المساعدة في صناعة جيل يستطيع تحديد المشكلة، وابتكار الحل، واختباره، ثم التفكير في كيفية تحويله إلى قيمة اقتصادية وتطبيق حقيقي.
 

الفجوة بين البحث العلمي وأرض الفلاح


لم تنطلق المسابقة من البحث عن حل لمشكلة زراعية واحدة، وإنما من مشكلة أوسع داخل منظومة البحث والابتكار، وهي الفجوة بين ما تنتجه الجامعات والمراكز البحثية من معرفة وأفكار، وبين ما يصل بالفعل إلى الحقل والسوق.

ويقول  الدكتور علي عبد العزيز إن مصر تمتلك باحثين وأساتذة وطلابًا وخريجين لديهم أفكار متميزة وأبحاث علمية كثيرة، لكن السؤال الأهم هو: كم فكرة من هذه الأفكار وصلت إلى المزارع؟ وكم بحثًا تحول إلى منتج؟ وكم ابتكارًا استطاع أن يتحول إلى شركة أو يجذب استثمارًا؟

ويرى أن المشكلة ليست في نقص العقول، وإنما في الطريق الذي يجب أن تسلكه الفكرة حتى تتحول إلى تطبيق.

ولهذا استهدفت المسابقة ابتكارات تتعامل مع مشكلات واقعية، مثل محدودية الموارد المائية، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وتدهور بعض أنواع التربة، والملوحة، والحاجة إلى زيادة الإنتاجية، وتحسين كفاءة استخدام الأسمدة والمياه، والتغير المناخي، وإدارة المخلفات الزراعية، وسلامة الغذاء، والتصنيع الزراعي، وإنتاج التقاوي، والطاقة المستخدمة في الزراعة.

ويختصر رئيس المسابقة فلسفة التجربة في أن الابتكار وسيلة لحل المشكلة وليس غاية في حد ذاته.
 

وزارات ومراكز بحثية وجامعات وقطاع خاص على طاولة واحدة
 

وتقام المسابقة تحت مظلة المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، التي أسسها ويرأسها الأستاذ الدكتور علي عبد العزيز، أستاذ باحث بمركز بحوث الصحراء ورئيس مشروع حقن التربة الرملية بالطين.

وتوضح الدكتورة دينا أحمد، المنسق العام للمسابقة والباحث بشعبة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بمركز بحوث الصحراء، أن الموسم الأول شهد تعاونًا ودعمًا من عدد من الجهات الحكومية والعلمية والمجتمعية، إلى جانب القطاع الخاص، بما يعكس فلسفة المبادرة القائمة على أن منظومة الابتكار الزراعي لا يمكن أن تقوم بها جهة واحدة بمعزل عن بقية الأطراف.
 

د.دينا أحمد
د.دينا أحمد

وشهدت المسابقة تعاونًا ومشاركة من وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ووزارة التنمية المحلية، ووزارة البيئة، ووزارة الشباب والرياضة، إلى جانب عدد من المؤسسات الكبرى العاملة في المجتمع المدني.

كما كان قطاع البحث العلمي بمؤسسة مصر الخير شريكًا تنظيميًا للحدث، في خطوة تعكس أهمية إشراك مؤسسات المجتمع المدني في دعم البحث التطبيقي والابتكار وربط الباحثين بفرص التطوير والتطبيق.

وشاركت مؤسسات أكاديمية وبحثية وخبراء متخصصون في منظومة التحكيم والتقييم، وظهرت خلال فعاليات الموسم الأول مشاركات من مركز البحوث الزراعية، والمركز القومي للبحوث، ومركز بحوث الصحراء، ومدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية، إلى جانب عدد من الجامعات المصرية.

ولا يقتصر دور الجامعة، بحسب المنسق العام، على مشاركة الطلاب أو الباحثين، وإنما تمثل أحد أهم مصادر المعرفة والابتكار، فيما تقدم المراكز البحثية الخبرة العلمية والتطبيقية اللازمة لاختبار الأفكار وتطويرها.

أما القطاع الخاص فيمثل الحلقة الأساسية المطلوبة لتحويل الفكرة من بحث أو نموذج أولي إلى منتج يمكن تصنيعه وتسويقه والتوسع فيه.


180 متقدمًا و40 في النهائي
 

وتكشف الدكتورة دينا أحمد أن المسابقة حرصت منذ البداية على ألا تكون موجهة إلى فئة واحدة فقط، لأن الابتكار قد يأتي من طالب في بداية رحلته، أو باحث يمتلك سنوات من الخبرة، أو شركة ناشئة قطعت بالفعل خطوات نحو السوق.

وتضمنت المسابقة ثلاث فئات رئيسية، هي الطلاب والمهندسون والخريجون وطلاب الدراسات العليا، وأعضاء هيئة التدريس وأعضاء الهيئات البحثية والكادر المعاون، إلى جانب الشركات الناشئة والحاضنات التكنولوجية.

وجرى تقييم كل فئة بما يراعي طبيعتها ومستوى الخبرة والنضج الذي وصلت إليه المشروعات، إذ لا يمكن، بحسب المنظمين، مقارنة طالب يمتلك فكرة واعدة بشركة قطعت خطوات فعلية نحو تطوير منتج أو نموذج عمل.

وبلغ عدد المتقدمين في الموسم الأول 180 متسابقًا، وخضعت الملفات في البداية لمرحلة الفرز والمراجعة الإدارية واستكمال المتطلبات.

وبعد انتهاء هذه المرحلة، انتقل 70 متسابقًا من أصل 180 إلى مرحلة التحكيم العلمي أمام اللجان التخصصية، بعدما استوفوا متطلبات الانتقال إلى التقييم العلمي والفني.

ثم خضع الـ70 للتقييم داخل اللجان العلمية المتخصصة، وأسفرت هذه المرحلة عن تأهل 40 متسابقًا ما بين مشاركات فردية وفرق إلى التصفيات النهائية ومرحلة العروض التقديمية.

وبذلك جاء مسار المنافسة في الموسم الأول واضحًا: 180 متقدمًا، ثم 70 متسابقًا في التحكيم العلمي، وصولًا إلى 40 متأهلًا للنهائي.


خمس لجان علمية تختبر الأفكار من أكثر من زاوية
 

ولتوفير أكبر قدر من الدقة العلمية في التقييم، تم توزيع الـ70 متسابقًا الذين اجتازوا مرحلة الفرز الإداري على خمس لجان تحكيم تخصصية تغطي مختلف فروع ومجالات القطاع الزراعي.

وضمت كل لجنة أكثر من ثلاثة محكمين من كبار الأساتذة والخبراء المتخصصين في المجال العلمي للجنة، بما يضمن إخضاع المشروع لأكثر من رؤية علمية داخل التخصص نفسه، وألا يتوقف تقييمه على رأي محكم واحد.

وكان الهدف أن تتم مناقشة كل ابتكار من زواياه العلمية والفنية والتطبيقية، وأن يحصل المتسابق على تقييم مبني على خبرة جماعية وتخصص دقيق.

ومن خلال نتائج هذه اللجان، تم اختيار 40 متسابقًا للانتقال إلى التصفيات النهائية والعروض التقديمية.
 

حجب أسماء المتسابقين لاختبار الفكرة بعيدًا عن صاحبها
 

ومن الإجراءات التي حرصت عليها إدارة المسابقة حجب بيانات وهوية المتسابقين عن لجان التحكيم في مراحل التقييم التي تسمح بذلك، بحيث يتركز الحكم على الابتكار ومحتواه وقيمته العلمية والتطبيقية، وليس على اسم صاحبه أو سنه أو موقعه الأكاديمي أو الجهة التي ينتمي إليها.

وتؤكد إدارة المسابقة أن هذا الإجراء جاء ضمن فلسفة تستهدف تعزيز الحياد والشفافية وتكافؤ الفرص.
وتبرز أهمية هذا النظام في حالة المتسابق الاستثنائي كاراس بيشوي بدر نور، الذي حقق أعلى نسب تقييم في مراحل مختلفة من المسابقة، بينما لم يكن أعضاء لجان التحكيم يعلمون أن صاحب الابتكار طالب في المرحلة الإعدادية.

وبحسب القائمين على المسابقة، يمثل ذلك دليلًا عمليًا على أن تقييم المشروع تم على أساس قوة الفكرة والأداء والقدرة على العرض والإجابة عن الأسئلة، وليس بناءً على العمر أو اللقب أو الخلفية الأكاديمية.


عشر دقائق فقط.. من الباحث إلى رائد الأعمال


بعد اجتياز مرحلة التحكيم التخصصي، انتقل 40 متأهلًا إلى التصفيات النهائية التي تضمنت اختبارًا آخر لا يقل أهمية عن الجانب العلمي، وهو قدرة المتسابق على عرض ابتكاره وإقناع الآخرين به.

وحصل كل متسابق خلال مرحلة العروض على عشر دقائق، بواقع خمس دقائق لعرض المشروع وخمس دقائق للمناقشة أمام لجنة التحكيم.

وتوضح إدارة المسابقة أن اختبار الدقائق العشر لم يكن مجرد وسيلة لتنظيم الوقت، وإنما كان له هدف تربوي وريادي واضح، يتمثل في تدريب المتسابق على الوقوف أمام مستثمر وتقديم مشروعه خلال دقائق، والإجابة عن أسئلة أساسية: ما المشكلة؟ ما الحل؟ ما الجديد؟ من المستفيد؟ هل يوجد سوق؟ وكيف يمكن تطبيق المشروع؟


وتؤكد إدارة المسابقة أن الهدف هو البدء في صناعة رائد أعمال زراعي من المتسابق، لا أن يظل مجرد باحث أو صاحب فكرة.

فالمطلوب أن ينتقل الباحث من التفكير في ابتكاره باعتباره نتيجة بحثية فقط إلى التفكير فيه باعتباره قيمة يمكن تقديمها للمستفيد والسوق، وأن يعرف من سيستخدم المنتج، والقيمة التي يقدمها، وكيف يمكن تسعيره أو تصنيعه أو التوسع فيه، وكيف يستطيع عرضه أمام المستثمر والشركة والجهة الممولة.

ومن هنا أصبح الـ«Pitching» جزءًا من تكوين المبتكر نفسه، وليس مجرد فقرة في المسابقة.


مشاركة من القاهرة والدلتا إلى الصعيد وسيناء والوادي الجديد


وتكشف الدكتورة دينا أحمد أن الموسم الأول شهد تمثيلًا من جامعات ومؤسسات أكاديمية وبحثية موزعة على مناطق مختلفة من الجمهورية.

فبحسب حصر الجهات التي ظهر منها متسابقون في مرحلة التحكيم التخصصي وما بعدها، شهد الموسم الأول تمثيلًا من 12 كلية زراعة وعلوم زراعية وموارد طبيعية.

وشملت هذه الجهات كلية الزراعة بجامعة عين شمس، وكلية الزراعة بجامعة القاهرة، وكلية الزراعة بجامعة المنصورة، وكلية الزراعة بجامعة الزقازيق، وكلية الزراعة بجامعة طنطا، وكلية الزراعة بجامعة بنها، وكلية الزراعة بجامعة أسيوط، وكلية الزراعة بنات بجامعة الأزهر بالقاهرة، وكلية العلوم الزراعية البيئية بجامعة العريش، وكلية الزراعات الصحراوية بجامعة الملك سلمان الدولية، وكلية الزراعة والموارد الطبيعية بجامعة أسوان، وكلية الزراعة بالوادي الجديد.

وتشير إلى أهمية ظهور كلية الزراعة والموارد الطبيعية بجامعة أسوان وكلية الزراعة بالوادي الجديد ضمن الجهات التي انتمى إليها متسابقون دخلوا المرحلة الأولى من لجان التحكيم التخصصية ضمن الـ70 متسابقًا.

وامتدت خريطة المشاركة من جامعات القاهرة والجيزة إلى محافظات الدلتا، ومن أسيوط وأسوان والوادي الجديد في جنوب وصعيد مصر إلى العريش وجامعة الملك سلمان الدولية في سيناء.

وترى إدارة المسابقة أن هذا الانتشار يمنح الموسم الأول بعدًا وطنيًا يتفق مع فلسفة المبادرة في البحث عن المبتكر أينما كان، وعدم قصر فرص المشاركة على المؤسسات الموجودة في العاصمة أو المراكز البحثية الكبرى.


حضور بحثي من مراكز ومعاهد متخصصة


وعلى مستوى المؤسسات البحثية، شهدت مراحل المسابقة مشاركة باحثين ينتمون إلى مركز البحوث الزراعية والمركز القومي للبحوث، إلى جانب عدد من المعاهد والمراكز البحثية المتخصصة التابعة لهما.

ومن الجهات التي ظهر منتسبون إليها في مراحل المسابقة المتقدمة معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، والمركز الإقليمي للأغذية والأعلاف، ومعهد بحوث الإنتاج الحيواني، ومركز بحوث الهندسة الزراعية، ومعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة، ومعهد بحوث أمراض النبات، ومعهد بحوث المحاصيل الحقلية، ومعمل بحوث تحسين الأراضي بسخا التابع لمركز البحوث الزراعية.

كما شارك باحثون من معهد البحوث الزراعية والبيولوجية بالمركز القومي للبحوث، إلى جانب تخصصات في تغذية النبات والكيمياء الحيوية النباتية والهندسة الزراعية بالمركز القومي للبحوث.

وشهدت المنافسات كذلك تمثيلًا من جامعة سمنود التكنولوجية من خلال أحد المشروعات الابتكارية.

وتؤكد إدارة المسابقة أن الجامعات أو المراكز البحثية نفسها لا تُعد هي التي «تأهلت»، وإنما شارك متسابقون وفرق بحثية منتسبة إلى هذه المؤسسات في مراحل المسابقة المختلفة، وتمكن عدد منهم من الوصول إلى التحكيم التخصصي ثم التصفيات النهائية والعروض التقديمية.


«Smart Farm».. طالب إعدادي يدخل المنافسة الاستثنائية ويتصدر التقييمات


ويكشف الأستاذ الدكتور زكريا فؤاد، الأستاذ بمعهد البحوث الزراعية والبيولوجية بالمركز القومي للبحوث ونائب رئيس المسابقة، أن أحد أبرز ملامح الموسم الأول كان التنوع الكبير في الابتكارات المقدمة، من المياه والتربة والطاقة إلى التصنيع الغذائي وسلامة الغذاء وإنتاج التقاوي وإعادة تدوير المخلفات والتكنولوجيا الحيوية والزراعة الذكية.

د.زكريا فؤاد
د.زكريا فؤاد


ومن بين النماذج اللافتة مشروع «Smart Farm» الذي قدمه المتسابق الاستثنائي كاراس بيشوي بدر نور.

وتكمن خصوصية المشروع في أن صاحبه طالب في المرحلة الإعدادية، في حين أن المسابقة لم تكن تستهدف في الأصل طلاب المدارس ضمن الفئات الرئيسية المعلنة للمشاركة.

إلا أن الابتكار الذي قدمه ومستوى النبوغ الذي ظهر في فكرته لفتا انتباه اللجنة العليا للمسابقة، فتم السماح له بالمشاركة بصورة استثنائية وإتاحة الفرصة أمام مشروعه للخضوع لمراحل التقييم والتحكيم نفسها التي خضع لها بقية المتسابقين.

واللافت أن هذا الاستثناء لم يتحول إلى معاملة خاصة في التقييم، إذ خضع المشروع لمنظومة التحكيم العلمية نفسها، واستطاع كاراس، بحسب القائمين على المسابقة، أن يتصدر مراحل المنافسة ويحقق أعلى نسب مئوية في التقييم على مستوى جميع الفئات، سواء في اللجان التخصصية أو خلال العروض التقديمية.

كما لم يكن أعضاء لجان التحكيم يعلمون خلال مراحل التقييم التي حُجبت فيها بيانات المتسابقين أن صاحب الابتكار طالب في المرحلة الإعدادية.

وتقوم فكرة «Smart Farm» على إنشاء نظام متكامل للمزرعة الذكية يجمع بين الري الذكي وتوليد الطاقة وإعادة تدوير المخلفات الزراعية وإنتاج السماد العضوي.

ويعتمد جزء الري على حساسات تقيس رطوبة التربة واحتياجات النبات، ثم يقوم نظام التحكم بتنظيم كمية المياه بصورة تلقائية بهدف تقليل الهدر وتحسين كفاءة الري.

كما يقترح المشروع الاستفادة من حركة المياه في شبكة الري لتوليد جزء من الطاقة من خلال توربين صغير، مع إعادة استغلال المخلفات الزراعية والعضوية في إنتاج السماد والطاقة.

ويحاول المشروع التعامل مع المياه والطاقة والمخلفات باعتبارها منظومة واحدة متكاملة، بدلًا من تقديم جهاز منفرد لمعالجة مشكلة واحدة.

وقد وصل المشروع إلى مرحلة النموذج الأولي، مع قابلية للتطوير وصولًا إلى التطبيق التجاري.


«Nanobodies».. اختبار سريع للكشف عن غش اللحوم


وفي مجال سلامة الغذاء، برز مشروع قدمه فريق بحثي من كلية الزراعة بجامعة عين شمس بقيادة الدكتورة نور الهدى هاني سرور، لتطوير اختبار سريع للكشف عن غش اللحوم باستخدام الأجسام المضادة النانوية «Nanobodies».

وتستهدف الفكرة مواجهة مشكلة اعتماد بعض وسائل الكشف التقليدية عن نوع اللحوم، مثل PCR وELISA، على معامل وتجهيزات وكوادر متخصصة، فضلًا عن حاجتها إلى وقت وتكلفة أكبر.

ويقترح المشروع تطوير شريط اختبار سريع بتقنية التدفق الجانبي Lateral Flow Assay يستطيع إظهار نتيجة بصرية خلال دقائق.

وتُستخدم أجسام مضادة نانوية مصممة للتعرف على مؤشرات حيوية مرتبطة بنوع الحيوان، بحيث يمكن مستقبلًا استخدام الاختبار في المجازر والأسواق ونقاط التفتيش والجهات الرقابية.

ويستهدف الابتكار خفض زمن وتكلفة الفحص، ودعم سلامة الغذاء وحماية المستهلك، وقد وصل إلى مرحلة النموذج الأولي.


من المخلفات الزراعية والغذائية إلى منتج غذائي


ومن جامعة القاهرة قدم فريق طلابي بقيادة محمد نصر الدين محمد الصغير مشروعًا في مجال التصنيع الغذائي والاقتصاد الدائري، يقوم على تطوير منتج من الوجبات الخفيفة باستخدام نواتج ومخلفات غذائية وزراعية يمكن تعظيم الاستفادة منها.

ويستخدم المشروع مكونات مثل كسب السمسم، وقشور البرتقال، ولب قصب السكر، والخميرة الغذائية، وكسر الأرز لتطوير منتج مقرمش يمكن تقديمه بصورة منافسة لمنتجات الوجبات الخفيفة الموجودة في الأسواق.

وتتمثل قيمة المشروع في محاولة رفع القيمة الاقتصادية للمخلفات والنواتج الثانوية بدلًا من التخلص منها أو استخدامها في تطبيقات منخفضة القيمة.


تقاوي بطاطس مصرية خالية من الفيروسات وأكثر تحملًا للملوحة


ومن المشروعات البحثية التطبيقية المهمة مشروع بقيادة الباحثة رحمة ياسر السعيد أبو صالح من كلية الزراعة بجامعة المنصورة لإنتاج تقاوي بطاطس محلية خالية من الأمراض الفيروسية وأكثر قدرة على تحمل الإجهاد الملحي.

وتكتسب الفكرة أهمية خاصة في ظل الاعتماد على كميات من تقاوي البطاطس المستوردة، وما يمثله ذلك من تكلفة بالعملة الأجنبية.

ويستخدم الفريق تقنيات زراعة الأنسجة والقمم المرستيمية لإنتاج نباتات خالية من الفيروسات، ثم اختبارها تحت مستويات مختلفة من الملوحة لاختيار السلالات الأكثر تحملًا.

ويمر المشروع بعد ذلك بإنتاج الدرنات الدقيقة معمليًا، ثم نقلها إلى الصوبة والحقل وإنتاج أجيال من التقاوي.

ويتميز المشروع بأنه لم يتوقف عند مرحلة الفكرة، وإنما وصل إلى مراحل تطبيق معملية وصوب وتجارب في الحقل المفتوح وإنتاج أجيال لاحقة.

من ألياف الموز إلى ألواح خشبية مستدامة

ومن فئة الباحثين والكوادر الجامعية، قدمت الدكتورة هبة محمود محمد الفوطي، مدير مركز الابتكار ونادي ريادة الأعمال بجامعة سمنود التكنولوجية، مشروعًا يقوم على تحويل مخلفات ألياف الموز إلى ألواح خشبية هندسية مستدامة وعالية الأداء.

ويقترح الابتكار استخراج الألياف الطبيعية من السيقان الكاذبة لنباتات الموز، ثم معالجتها وتجفيفها ودمجها مع مواد رابطة صديقة للبيئة، وتصنيعها في صورة ألواح يمكن استخدامها في قطاعات مثل الأثاث ومواد البناء والتعبئة والتغليف.

وتكمن القيمة الأساسية في تحويل المخلف الزراعي من عبء بيئي إلى مادة خام لصناعة ذات قيمة أعلى، مع خفض الاعتماد على الأخشاب المستوردة وخلق فرص اقتصادية جديدة في المناطق الزراعية.
وبحسب ملف المشاركة، فإن الابتكار مطبق فعليًا وقابل للتوسع محليًا وإقليميًا ودوليًا.


الشركات الناشئة تقترب بالابتكار من السوق


ولم تقتصر المنافسة على الطلاب والباحثين، وإنما ضمت فئة الشركات الناشئة نماذج متنوعة مرتبطة بالتحول من الفكرة إلى النشاط التجاري.

ومن بين النماذج التي ظهرت مشروع لإنتاج سماد عضوي مستدام باستخدام حشرة الـBlack Soldier Fly، ومشروع لإنتاج خامات أعلاف بديلة من المخلفات الزراعية ومخلفات التصنيع الزراعي والغذائي، إلى جانب مشروع عيش البطاطس الخالي من الجلوتين.

كما ظهرت خلال التصفيات النهائية ابتكارات أخرى مرتبطة بالتطبيق التجاري، بما يعكس محاولة المسابقة خلق حلقة وصل بين البحث العلمي وريادة الأعمال والاستثمار.


السؤال الأصعب.. ماذا بعد التصفيات؟


وهنا يبقى الاختبار الحقيقي أمام مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026» خارج قاعة التحكيم: ماذا يحدث للفكرة بعد الفوز أو التأهل؟

فنجاح أي منظومة للابتكار الزراعي لا يقاس فقط بعدد المتقدمين أو المشروعات التي وصلت إلى النهائي، وإنما بقدرتها على مساعدة أصحاب هذه الأفكار في الوصول إلى النموذج الأولي، والتمويل، والاحتضان، والتجارب الحقلية، والتسجيل والتصنيع، ثم السوق والمزارع.

وهو ما يجعل فكرة المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» أكبر من مسابقة لاختيار فائزين؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في بناء مسار مستمر يبدأ من اكتشاف المشكلة، ثم البحث عن الحل، ثم اختبار الابتكار، ثم ربط صاحبه بالجهة العلمية والمستثمر والقطاع الخاص، وصولًا إلى تطبيق حقيقي قابل للتوسع.

وفي النهاية، فإن تجربة الموسم الأول، بأرقامها التي بدأت من 180 متقدمًا ووصلت إلى 70 في التحكيم العلمي ثم 40 في التصفيات النهائية، وبمشاركة امتدت من القاهرة والدلتا إلى أسوان والوادي الجديد وسيناء، وبمشروعات تتعامل مع المياه والتربة والطاقة وسلامة الغذاء والتقاوي والمخلفات والتصنيع، تطرح سؤالًا يستحق أن يظل مفتوحًا أمام مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص:

هل تستطيع مصر أن تجعل الابتكار الزراعي يغادر منصة المسابقة، ويعبر الطريق كاملًا حتى يصل إلى أرض الفلاح؟

الجريدة الرسمية