خبر وتحليل
كيف تحولت منازل الفلسطينيين إلى مصائد للموت على يد المستوطنين؟ (صور)
"المستوطنون يشعلون النيران في منازلنا"، رسالة استغاثة يائسة من خمس كلمات بعث بها الفلسطيني البالغ من العمر 22 عاما حمزة أبو جندية، من قرية طوبا الرعوية الفلسطينية الواقعة في تلال جنوب الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة؛ وبعد 21 دقيقة، بعث برسالة أكثر يأسا، قائلا: أرسلوا سيارات الإسعاف والإطفاء. هناك أطفال مصابون ومنازل تحترق.
ولم تكن رسالتا أبو جندية سوى تجسيد لمشاهد الرعب التي شهدتها قرية طوبا الصغيرة (خربة الطوبة) والتي باتت عرضة لهجمات إحراق نفذها مستوطنون إسرائيليون، لكن الهجوم هذه المرة بدا مختلفا من حيث حجمه، بحسب تحقيق نشرته مجلة "972+" الإسرائيلية ذات التوجهات اليسارية.
وتقع طوبا، شأنها شأن مناطق أخرى في مسافر يطا وأجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، ضمن المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية، وصنفت أجزاء واسعة من الأراضي المحيطة بالقرية باعتبارها مناطق لإطلاق النار منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما وضع سكانها أمام سلسلة من القيود والإجراءات، وحول القرية إلى مجتمع يعيش تحت ضغط متواصل من القيود العسكرية والتهديدات الاستيطانية، فيما جعلت صعوبة الوصول إليها وضعف بنيتها التحتية أكثر عرضة للعزلة خلال حالات الطوارئ، كما كشفت أحداث الهجوم الأخير.
كيف تحولت طوبا إلى ساحة مفتوحة لهجمات المستوطنين؟
تحكي مجلة "972+" في تحقيقها تلك المشاهد المرعبة التي عاشتها عائلات فلسطينية كاملة على يد المستوطنين، مضيفة: كانت رنا مغنم، 37 عاما، تجلس في غرفة الضيوف مع ابنة زوجها رزان، البالغة من العمر 7 أعوام، عندما بدأ الهجوم.
تقول مغنم: نظرت من النافذة ورأيت مجموعة من المستوطنين يركضون نزولا من التل. خرجت إلى الخارج، وكان أول مستوطن وصل إلى منزلنا يتجه نحونا مباشرة. كان يحمل عصا وبدأ بضربي على الفور، بينما اختبأت الفتيات خلفي.ركضنا إلى غرفة أخرى لحماية أنفسنا، لكن المستوطن تبعنا. أصيبت رزان بحجر ألقي من خارج المنزل وارتطم بأنفها وشفتها العليا. ثم لحق بنا المستوطن مرة أخرى وضربني على رأسي وذراعي.

أصيبت مغنم بكسور في أصابع يدها اليمنى، إضافة إلى جرح عميق في الرأس استلزم ثماني غرز. ونقلت إلى مستشفى في مدينة يطا القريبة، حيث تلقت العلاج الطارئ. لكن بعد فترة طويلة من التئام الجروح، ظلت ذكريات تلك الليلة عصية على النسيان، ولا تزال تجد صعوبة في وصف الخوف الذي شعرت به وهي ترى عشرات المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون قريتهان وفق مجلة "972+".
كيف عاش الأطفال والعائلات الفلسطينية ليلة الرعب؟
ومع بزوغ ضوء النهار، تكشفت حصيلة الدمار الذي خلفه الهجوم؛ إذ أحرق المستوطنون ثلاثة منازل بالكامل، وألحقت النيران أضرارا جسيمة بشبكة الكهرباء في القرية، فيما حطموا نحو 24 لوحا من ألواح الطاقة الشمسية. وأسفر الهجوم كذلك عن إصابة خمسة من السكان، بينهم ثلاثة أطفال.
وقبل مغادرتهم القرية، ترك المستوطنون عبارات باللغة العبرية على حظيرة أغنام تابعة لإحدى العائلات، حملت رسائل تعبر عن شماتتهم في المواطنين الفلسطينيين.
ماذا بقي للفلسطينيين بعد أن التهمت النيران منازلهم؟
في صباح اليوم التالي، كان كل شيء داخل أحد المنازل المحترقة قد تحول إلى اللون الأسود. وكانت الأسلاك الكهربائية المنصهرة تتدلى من السقف، بينما غطى الرماد الأرضية. أما الثلاجة فلم يتبق منها سوى هيكل معدني ملتوي. وحتى بعد مرور 15 ساعة على اندلاع الحريق، كانت رائحة الدخان شديدة إلى درجة جعلت التنفس صعبا.

تقول سجود محمود عوض، البالغة من العمر 17 عاما، في تصريحات لمجلة "972+": كان شقيقي جود، البالغ من العمر 11 عاما، نائما في غرفته. أمسك أحد المستوطنين به من رقبته وخنقه ثم ألقاه إلى الخارج؛ ثم أشعلوا النار في المنزل بينما كنت لا أزال بداخله، وأنا أرتجف من الخوف؛ وعندما غادر المستوطنون أخيرا، امتلأ المنزل بالدخان الكثيف. وانتشرت النيران بسرعة من غرفة إلى أخرى. ركضت إلى الخارج وأنا مرعوبة، لكنني لم أستطع التنفس. انهرت خارج المنزل بسبب الدخان. وفي غضون دقائق، اختفى كل ما نملكه. الطعام والأثاث والمراتب.. كل شيء اختفى.
كيف تحولت منازل الفلسطينيين إلى مصائد موت؟
ومع تجمع المزيد من سكان القرية، تراجع المستوطنون في نهاية المطاف باتجاه بؤرة "حفات ماعون" القريبة، التي لا تبعد سوى دقائق قليلة عن طوبا. وهي البؤرة نفسها التي انطلق منها عشرات المستوطنين مؤخرا لمهاجمة قرية التواني، حيث أشعلوا النار في المسجد والمنازل والسيارات، وحطموا النوافذ وكتبوا عبارة "انتقام" على الجدران؛ أما سيارات الإسعاف وعربات قوات الاحتلال فلم تصل إلى طوبا إلا بعد مرور أكثر من ساعة على بدء الهجوم، بحسب مجلة "972+".
يقول سكان القرية: تحولت منازلنا إلى مصائد للموت على يد المستوطنين، وإذا كانت الشرطة الإسرائيلية مهتمة فعلا بتحديد المسؤولين عن الهجوم، فإنها تعرف تماما أين تبحث؛ فالمستوطنون قدموا من البؤرة والمستوطنة القريبتين، وهما مجهزتان ببعض أكثر كاميرات المراقبة تطورا في المنطقة، ونحن نشك كثيرا في إمكانية تقديم المهاجمين إلى العدالة، ونجد أنفسنا مطالبين بالاستعداد لمواجهة اعتداء جديد.




