زي النهارده، قصة توقيع الوثيقة التي أنهت الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس
تحل اليوم ذكرى الفصل الأخير والنهائي لصفحة الوجود الإسلامي في الأندلس؛ ففي مثل هذا اليوم 7 أغسطس من عام 1493، وقّعت الاتفاقية المالية والسياسية الأخيرة بين أبو عبد الله محمد الثاني عشر المعروف بـ أبي عبد الله الصغير، آخر ملوك غرناطة، وبين الملكين الكاثوليكيين فرناندو الثاني وإيزابيلا الأولى، والتي باع بموجبها أبو عبد الله كل ما يمتلكه من أراضٍ وأملاك في البشرات، ليغادر بعدها الفردوس المفقود بلا رجعة نحو عدوة المغرب.
ما بعد سقوط غرناطة
عقب تسليم غرناطة وسقوط مملكتها في يناير 1492، لم يغادر أبو عبد الله الصغير الأندلس فورًا كما يعتقد؛ بل انسحب بموجب معاهدة التسليم الأولى للإقامة في منطقة البشرات الجبلية، حيث منح هناك سيادة صغيرة ومقيدة على بعض القرى والمقاطعات، إلى جانب ألقاب وأملاك شخصية اقتُطعت له ولأسرته.
إلا أن وجود آخر ملوك المسلمين على أرض الأندلس كان يشكل مصدر قلق دائم للبلاط القشتالي؛ إذ خشي فرناندو وإيزابيلا من أن تتحول الإمارة الصغيرة في البشرات إلى بؤرة لاندلاع ثورات جديدة للموريسكيين أو نقطة ارتكاز لإمكانية تدخل العثمانيين أو المغاربة.
صفقة 1493، البيع والتنازل الكامل عن الأندلس
أمام التضييق القشتالي المتزايد والضغوط المالية والسياسية، أرسل الملكان الكاثوليكيان نخبة من المفاوضين لتقديم عرض لا يرفض لأبي عبد الله الصغير، التنازل الكامل والنهائي عن جميع الإقطاعيات، والأملاك، والحقوق السياسية والدينية في البشرات، مقابل مبلغ مالي ضخم يُدفع له نقدًا بالذهب (قدره نحو 21 ألف دوكاة ذهبية)، إضافة إلى تأمين سفن لنقله ومرافقيه بسلام إلى أرض المغرب.
وفي 7 أغسطس 1493، أُبرمت الاتفاقية الرسمية، وتنازل أبو عبد الله الصغير عن آخر شبر يمتلكه هو وأسرته في شبه الجزيرة الإيبيرية، ليتجرع المسلمون في الأندلس مرارة الفقدان التام للغطاء القيادي.
الرحيل الحزين إلى فاس
عقب توقيع الاتفاقية وحصوله على الأموال، جمع أبو عبد الله الصغير أهله وحاشيته، وأبحر من ميناء أدرا (Adra) باتجاه الساحل المغاربي، ونزل بمدينة مليلة ثم استقر ختامًا في مدينة فاس المغربية بدعوة من السلطان الوطاسي.
وعاش أبو عبد الله في فاس سنواته الأخيرة غريبًا ومكسورًا، حتى توفي عام 1533 ودفن هناك، وشهدت هذه الرحلة ارتباكًا تاريخيًا خلّدته الذاكرة الشعبية في التل الشهير المطل على غرناطة والمسمى زفرة العربي الأخيرة، حيث يبكى الملك المطرود عرشه المفقود، فقالت له أمه عائشة الحرّة كلمتها الشهيرة: أجل، إبكِ كالنساء ملكًا لم تحافظ عليه كالرجال.
