رئيس التحرير
عصام كامل

بعد فاجعة الـ 5 شباب في ليبيا، كيف تحولت قرى الشرقية إلى بوابة مفتوحة لعصابات الهجرة غير الشرعية؟

الهجرة غير الشرعية،فيتو
الهجرة غير الشرعية،فيتو
18 حجم الخط

لم يكن “عبد الرحمن.م.ع”، ابن قرية البلاشون التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، يتخيل أن رحلته بحثًا عن فرصة عمل ومستقبل أفضل ستكون الأخيرة في حياته. خرج من منزله دون أن يخبر أسرته بقراره السفر عبر طرق الهجرة غير الشرعية، معتقدًا أن البحر سيكون بوابته إلى أوروبا، لكنه تحول إلى شاهد على نهاية حلم لم يكتمل.

أخبار الغرق والنجاة والفقدان تتكرر بصورة مؤلمة

قصة عبد الرحمن ليست الأولى، وربما لن تكون الأخيرة. ففي كثير من قرى محافظة الشرقية، أصبح حلم السفر إلى أوروبا يطارد عشرات الشباب، بل والأطفال أحيانًا، حتى باتت أخبار الغرق والنجاة والفقدان تتكرر بصورة مؤلمة، تاركة خلفها أسرًا تنتظر اتصالًا يطمئنها، أو خبرًا يؤكد أن ابنها لن يعود.


ومع إعلان مؤسسة العابرين للأعمال التطوعية والإنسانية والتنمية الليبية العثور على ضحايا مصريين وإنقاذ 15 ناجيًا من حادث غرق مركب للهجرة غير الشرعية قبالة سواحل مدينة طبرق، عادت محافظة الشرقية إلى واجهة المشهد، بعدما ضمت قوائم الضحايا والناجين عددًا من أبنائها.

أحد ضحايا الهجرة غير الشرعية،فيتو
أحد ضحايا الهجرة غير الشرعية، فيتو

قرى ومراكز تكررت أسماؤها في وقائع الهجرة غير الشرعية خلال السنوات الأخيرة

في العديد من الوقائع السابقة، تكررت أسماء مراكز بلبيس ومنيا القمح وأبو حماد ومشتول السوق ضمن المناطق التي خرج منها شباب حاولوا الوصول إلى أوروبا عبر طرق غير شرعية.
ويرجع متابعون للملف ذلك إلى نشاط شبكات السمسرة والوسطاء، الذين يستغلون أحلام الشباب، ويوهمونهم بأن الوصول إلى أوروبا لا يحتاج سوى رحلة بحرية قصيرة، بينما يخفي الواقع مخاطر قد تنتهي بالغرق أو الفقدان أو الاحتجاز.

 

الفئة العمرية الأكثر حضورًا في رحلات الهجرة غير الشرعية

وتشير الوقائع المتكررة إلى أن نسبة كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين تتراوح أعمارهم بين 13 و27 عامًا، وهي الفئة الأكثر إقبالًا على هذه الرحلات، مدفوعة بالرغبة في تحسين مستوى المعيشة وتحقيق الثراء السريع.
وتضم هذه الفئة طلابًا، وعمالًا، وشبابًا في بداية حياتهم العملية، وبعضهم يغادر دون علم أسرته، التي لا تعلم بخطوة السفر إلا بعد وقوع الحادث أو وصوله إلى إحدى نقاط العبور.

أحد ضحايا الهجرة غير الشرعية،فيتو
أحد ضحايا الهجرة غير الشرعية، فيتو

رحلة تبدأ ببيع الممتلكات أو الاقتراض وتنتهي على متن مركب متهالك في عرض البحر

وبحسب شهادات عدد من الأسر في وقائع مشابهة، فإن تكلفة الرحلة تتراوح غالبًا بين 3 و5 آلاف دولار للفرد، تُدفع إلى سماسرة ووسطاء يعملون لصالح شبكات تهريب داخل مصر وخارجها.
وتلجأ بعض الأسر إلى بيع أراضٍ زراعية أو مشغولات ذهبية أو الاقتراض لتوفير هذه المبالغ، أملًا في أن يصل الابن إلى أوروبا ويبدأ في إرسال الأموال، إلا أن كثيرًا من تلك الرحلات تنتهي بخسارة الأموال، وفقدان الأبناء.

 

شهادات أسر تكشف أن بعض الشباب كرروا المحاولة أكثر من مرة رغم فشل الرحلات السابقة

وتفيد شهادات عدد من الأسر، في وقائع متفرقة، بأن بعض الشباب الذين يخوضون رحلات الهجرة غير الشرعية سبق لهم محاولة السفر أكثر من مرة، بعد تعثر محاولاتهم السابقة أو إعادتهم من مناطق العبور.
ويرى متابعون أن تكرار المحاولات يرتبط بإصرار بعض الشباب على تحقيق حلم السفر، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، والوعود التي يروج لها سماسرة الهجرة عن فرص العمل والدخل المرتفع في أوروبا.

 

عبد الرحمن م. ع. ع.. رحلة انتهت في البحر وأسرة لا تزال تنتظر العثور على جثمانه

كان عبد الرحمن، ابن قرية البلاشون بمركز بلبيس، واحدًا من ركاب المركب المنكوب.
وأعلنت مؤسسة العابرين أن جثمانه أُلقي في البحر، كما حدث مع عدد من الضحايا، ولم يتم العثور عليه حتى الآن، بينما تعيش أسرته حالة من الحزن والترقب، آملة في العثور على جثمانه ليوارى الثرى في مسقط رأسه.

 

خمسة من أبناء الشرقية بين الناجين بعد تسعة أيام من المعاناة في عرض البحر

وضمت قائمة الناجين من أبناء محافظة الشرقية كلًا من:"أحمد.ط.أ"مركز بلبيس و"عبد الوهاب.ع.م"مركز بلبيس و"يوسف.ص.ش"مركز بلبيس و"إسلام.م.ع"مركز منيا القمح و"هاني.ع.ع" مركز منيا القمح.
وأكدت مؤسسة العابرين أن جميعهم يتمتعون بحالة صحية جيدة، ويتلقون الرعاية الطبية والإنسانية داخل مركز إيواء باب الزيتون بمدينة طبرق، بعد إنقاذهم من المركب الذي ظل ركابه تائهين في عرض البحر لمدة تسعة أيام.

 

جهود أمنية متواصلة لمواجهة شبكات التهريب وتحذيرات متكررة من مخاطر الهجرة غير الشرعية

وعلى مدار السنوات الماضية، أعلنت السلطات المصرية مرارًا عن إحباط محاولات للهجرة غير الشرعية، وضبط متهمين في قضايا تتعلق بتهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، في إطار جهود الحد من هذه الظاهرة.

كما تواصل الجهات المعنية التحذير من الانسياق وراء وعود السماسرة، الذين يستغلون طموحات الشباب ويدفعونهم إلى رحلات محفوفة بالمخاطر على متن مراكب غير مجهزة للإبحار.

 

بين حلم الثراء السريع وواقع الفقد.. يبقى البحر شاهدًا على مآسٍ تتكرر في قرى الشرقية

في قرى الشرقية، لم تعد الهجرة غير الشرعية مجرد مغامرة، بل أصبحت قصة تتكرر بأسماء مختلفة. أم تنتظر ابنًا خرج دون وداع، وأب يترقب اتصالًا يبدد مخاوفه، وأسرة تحمل ديونًا دفعتها ثمنًا لحلم لم يكتمل.

وبين كل حادث وآخر، تتجدد المأساة، ويبقى السؤال حاضرًا كم من الأحلام يجب أن يبتلعها البحر قبل أن يدرك الشباب أن الطريق إلى المستقبل لا يمر دائمًا عبر «قوارب الموت»؟

الجريدة الرسمية