رئيس التحرير
عصام كامل

رغم ارتفاع الأسعار.. الأسواق الشعبية تحافظ على طقس عمره أكثر من ألف عام

حلاوة المولد في الشارع.. حيث تنتصر “ريحة السمسم” على فخامة العلب

حلاوة المولد فى الاسواق
حلاوة المولد فى الاسواق الشعبيه
18 حجم الخط

قبل أسابيع من حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، لا يحتاج المصري إلى التقويم ليعرف أن المناسبة تقترب. يكفي أن يمر بجوار أحد الأسواق الشعبية، فيرى أكوام السمسمية والفولية والحمصية وقد خرجت من مخازنها إلى الأرصفة، وتفوح رائحة السكر المحمص والسمسم في الهواء، معلنة بدء موسم ظل حاضرًا في الوجدان المصري لأكثر من ألف عام.

داخل الأسواق، لا توجد واجهات فاخرة أو صناديق مزخرفة. هنا تتحدث الحلوى عن نفسها؛ ألوان الملبن، ودوائر السمسمية، وقطع الفولية اللامعة، وأصوات الباعة وهم يدعون المارة لتذوق “حلاوة السنة”. مشهد يتكرر كل عام، لكنه ينجح دائمًا في استدعاء ذكريات الطفولة وزيارات الأهل، حين كانت علبة حلوى المولد ضيفًا ثابتًا على كل بيت.


 

احتفال عمره أكثر من ألف عام

تُعد مصر من أكثر الدول ارتباطًا بمظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الاحتفال الرسمي بالمولد بدأ في العصر الفاطمي خلال القرن العاشر الميلادي، حيث كانت تقام المواكب وتوزع الحلوى على الناس، قبل أن تتحول صناعة الحلوى إلى موسم اقتصادي واجتماعي ينتظره الجميع.

ومع مرور القرون، لم تعد الحلوى مجرد طعام يرتبط بالمناسبة، بل أصبحت جزءًا من الهوية الشعبية المصرية، حتى إن كثيرًا من العائلات تعتبر شراء حلوى المولد عادة لا يمكن الاستغناء عنها، مهما تغيرت الظروف الاقتصادية.


 

في الشارع.. الحلوى تباع “بالحبة” قبل الكيلو

بعيدًا عن العلب الفاخرة التي تعرضها العلامات التجارية الكبرى، تبدو الأسواق الشعبية أكثر بساطة وأكثر قربًا من الناس.

الصناديق الخشبية المفتوحة تمتد بطول المحال، وكل صندوق يحمل صنفًا مختلفًا؛ سمسمية، فولية، حمصية، بندقية، لوزية، ملبن، نوجا، وجوز هند. لا يحتاج الزبون إلى شراء علبة كاملة، فبإمكانه اختيار ما يشاء، قطعة قطعة أو بالكيلو، بحسب ميزانيته.

ويحرص كثير من الباعة على ترتيب الحلوى بطريقة تجذب المارة؛ فتبدو كأنها لوحة فسيفساء من الأبيض والبني والذهبي، بينما تتداخل رائحة السمسم المحمص مع الفول السوداني والسكر المكرمل، لتخلق أجواء يعرفها المصريون جيدًا مع اقتراب المولد.
 

 

 

 

الأسعار ترتفع.. لكن الإقبال مستمر

هذا الموسم لم يكن مختلفًا عن غيره فيما يتعلق بارتفاع الأسعار، نتيجة زيادة تكلفة السكر والمكسرات والخامات المستخدمة في التصنيع.

وتبدأ أسعار بعض الأصناف الشعبية من نحو 65 إلى 75 جنيهًا للكيلو لبعض الأنواع الاقتصادية، بينما ترتفع أسعار الأصناف التي تحتوي على المكسرات مثل البندقية والفستقية واللوزية لتتجاوز 250 جنيهًا للكيلو، وقد تزيد بحسب الجودة ونسبة المكسرات.

ورغم ذلك، يؤكد الباعة أن المستهلك المصري لا يزال يحرص على شراء الحلوى، حتى وإن اكتفى بكميات أقل مقارنة بالسنوات الماضية.

فالزبون الذي كان يشتري ثلاثة كيلوغرامات، قد يشتري اليوم كيلوًا واحدًا، لكنه لا يريد أن تمر المناسبة دون أن تدخل حلوى المولد إلى منزله.


 

بين العلبة الفاخرة وكيس الحلوى الشعبي

شهد موسم 2026 ظهور علب فاخرة تجاوزت أسعارها آلاف الجنيهات، ووصل بعضها إلى نحو 17 ألف جنيه، بعد أن ضمت إلى جانب الحلوى مصحفًا، وسبحة، وكنكة قهوة، ومبخرة وإكسسوارات تراثية.

لكن في الأسواق الشعبية يبدو المشهد مختلفًا تمامًا.

هنا لا يبحث الزبون عن صندوق فاخر، بل عن “ريحة زمان”. يطلب ربع كيلو سمسمية، وعددًا من قطع الملبن، وبعض الفولية لأطفاله، ثم يغادر بكيس بسيط يحمل داخله طعمًا يعرفه منذ الصغر.

ولهذا السبب، لا تزال الأسواق الشعبية تستحوذ على شريحة واسعة من المشترين، لأنها تمنح المستهلك حرية اختيار الأصناف والكميات، دون أن يتحمل تكلفة التغليف أو العلامة التجارية.


 

حكاية لا تكتمل إلا بالعروسة والحصان

ورغم تغير أنماط الاستهلاك، لا تزال عروسة المولد وحصانه حاضرين في كثير من المحال، باعتبارهما أحد أشهر رموز الاحتفال في مصر.

ويرجع ظهورهما إلى العصر الفاطمي، حين ارتبطت المناسبة بصناعة التماثيل السكرية التي أصبحت جزءًا من الموروث الشعبي، وما زالت تُصنع حتى اليوم، وإن تراجع الإقبال عليها مقارنة بالماضي.


 

ذاكرة المصريين لا تُقاس بالأسعار

ربما تغيرت أسعار الحلوى، وتبدلت أشكال التغليف، وظهرت صناديق فاخرة تستهدف فئات محددة، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير؛ قدرة حلاوة المولد على جمع الناس حولها.

فالطفل الذي يختار قطعة ملبن ملونة، والأب الذي يطلب “نصف كيلو مشكل”، والأم التي تبحث عن السمسمية التي اعتادت شراءها منذ سنوات، جميعهم يشتركون في طقس واحد يتكرر كل عام.

وبينما تتنافس العلامات التجارية في تصميم أفخم العلب، تظل الأسواق الشعبية هي المكان الذي تحتفظ فيه حلوى المولد بروحها الأولى؛ حلوى تُباع بالحب، وتُشترى بالذكريات، قبل أن تُشترى بالنقود

الجريدة الرسمية