باحثة في الشؤون الأفريقية تكشف مستقبل مالي بعد انسحاب القوات الدولية والأممية
أكدت هايدي خالد، الباحثة المتخصصة في الشؤون الأفريقية، أن مقتل 50 عسكريًا من مالي في الهجوم المسلح الأخير ليس مجرد حادث عابر أو رقم ينضم لقائمة ضحايا الإرهاب، بل هو جرس إنذار قوي يؤكد أن الحكومة العسكرية في "باماكو" بدأت تفقد تدريجيًا زمام المبادرة على الأرض، وأن البلاد تنزلق نحو نفق مظلم من الفوضى الأمنية.
ثغرة أمنية واضحة في استراتيجية الجيش المالي
وأوضحت الباحثة، في تصريح خاص لـ«فيتو»، أن هذا الهجوم العنيف يكشف عن ثغرة أمنية واضحة في استراتيجية الجيش المالي، الذي بات يواجه جبهات قتال مفتوحة ومترامية الأطراف بعد انسحاب القوات الدولية والأممية. هذا الفراغ استغلته الجماعات المسلحة لإعادة تنظيم صفوفها وشن ضربات موجعة ومباغتة تستهدف هيبة الدولة في الأساس.
مأزق الميدان وتداخل الأزمات
وأوضحت أن خطورة الوضع الحالي في مالي تكمن في "تداخل الأزمات"؛ فالجيش لا يحارب التنظيمات الإرهابية التقليدية، مثل "القاعدة" و"داعش" فحسب، بل يواجه أيضًا تجددًا للصراع المسلح مع حركات الطوارق الانفصالية في الشمال بعد انهيار اتفاقيات السلام السابقة.. هذا القتال المتزامن جعل القوات الحكومية مشتتة في معسكرات معزولة وبعيدة عن العاصمة، مما يحولها إلى أهداف سهلة للاختراق والاصطياد.
وأضافت هايدي خالد أن هذه الضربات المتتالية تضع "تحالف دول الساحل" (الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو) في موقف محرج أمام شعوبه؛ حيث جاءت هذه المجالس العسكرية إلى السلطة بناءً على وعود واضحة بتحقيق الأمن وطرد النفوذ الأجنبي، لكن الواقع على الأرض يثبت أن لغة السلاح وحدها لم تعد كافية لضبط استقرار المنطقة.
3 سيناريوهات ترسم المستقبل
وواصلت حديثها قائلة: إن قراءة الوضع في مالي، يؤكد أن الأحداث تتجه نحو ثلاثة سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول (حرب استنزاف طويلة): وهو الأقرب للواقع حاليًا، وفيه تستمر الجماعات المسلحة في شن هجمات خاطفة لإنهاك الجيش واقتصاده، مما يؤدي إلى فقدان الحكومة السيطرة الفعلية على الأطراف، لتبقى مالي مقسمة "أمر واقع" بين سلطة المركز وفوضى الولايات الحدودية.
السيناريو الثاني (تفكك التحالف الإقليمي): أن تدفع الخسائر المتلاحقة دول الجوار، (مثل النيجر وبوركينا فاسو) إلى الانكفاء على نفسها لتأمين حدودها الذاتية؛ خوفًا من تمدد النيران إليها، مما يترك حكومة مالي وحيدة في مواجهة شبكات الإرهاب العابر للحدود.
السيناريو الثالث (الاضطرار للحل السياسي): وهو خيار بعيد المدى، حيث تضطر السلطة العسكرية تحت وطأة الإنهاك العسكري والاقتصادي إلى فتح باب التفاوض مجددًا، ولكن هذه المرة للفصل بين المسار السياسي مع حركات الطوارق، والمواجهة الأمنية الصارمة ضد تنظيمات داعش والقاعدة.
وهنا لابد أن نحذر من أن اشتعال الأوضاع في مالي ليس أزمة بعيدة عن المنطقة العربية؛ فالفوضى في الساحل الأفريقي تعني مباشرة انتعاشًا لأسواق تهريب السلاح، وتدفقات ضخمة من الهجرة غير الشرعية نحو شمال أفريقيا، وهو ما يمس بشكل مباشر مرتكزات الأمن القومي المصري والعربي؛ مما يجعل إنقاذ الدولة الوطنية في مالي مصلحة إقليمية ملحة وليست شأنًا داخليًا فحسب.




