رئيس التحرير
عصام كامل

180 مطافي! حرائق تغتال أسرا بالكامل.. فمن الظالم ومن المظلوم؟ تقرير رسمي يكشف بالأرقام المسكوت عنه.. ومطالب بقاعدة بيانات شاملة وتطوير عاجل للشبكات

الحماية المدنية
الحماية المدنية
18 حجم الخط

لم تعد الحرائق مجرد حوادث عارضة تنتهي بإخماد النيران ولكنها أصبحت كوارث فاجعة، تحصد أرواح أسر كاملة، وتطول بعض رجال الحماية المدنية أثناء أداء عملهم، وتخلف خسائر مادية فادحة، ومع تكرار تلك الحوادث، وآخرها حادث شقة العمرانية بالجيزة تزايدت التساؤلات حول مدى جاهزية أجهزة الدولة للتعامل مع مثل تلك الأزمات خاصة مع تأخر وصول سيارات المطافئ، هل تكمن الأزمة في إمكانيات منظومة الإطفاء، أم أن هناك أسبابا أخرى تعقد عمليات الإنقاذ وتضاعف حجم الخسائر؟ “فيتو” تفتح هذا الملف “الساخن” وتناقشه من جميع الجوانب.

تقرير رسمي

مؤخرا، أصدر  الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تقريرا عن حوادث الحريق فى مصر عام 2025، حيث بلغ عدد حوادث الحريق عـلى مستوى الجمهورية 51029 حادثة عام 2025، مقابل 46925 حادثة عام 2024 بنسبة ارتفاع قدرها 8.7%. ووفقا للحالة الجنائية يأتى الحريق العارض فى المرتبة الأولى لحوادث الحريق بعدد 11563 حادثة بنسبة 22.7%، يليه الحريق بسبب الإهمال بعدد 5184 حادثة بنسبة 10.2% خلال عام 2025.

وقال التقرير: إن من أهم المسببات الرئيسية للحريق هى النيران الصناعية (أعقاب السجائر – أعواد الكبريت – مادة مشتعلة – شماريخ إلخ..) بعدد 15997 حادثة بنسبة 31.3%، الماس الكهربائى أو الشرر الاحتكاكى بعدد 9153 حادثة بنسبة 17.9 % من إجمالى مسببات الحريق، وجاءت الأرض الفضاء (القمامة والمخلفات) فى المقدمة لأماكن حدوث الحرائق بعدد 21593 حادثة بنسبة 42.3%، يليها المبانى السكنية بعدد 18554 حادثة بنسبة 36.4% من إجمالى حوادث الحريق، وعلى مستوى المحافظات تأتى محافظة القاهرة فى المقدمة بالنسبة لحوادث الحريق بعدد 6968 حادثة بنسبة 13.7%، يليها محافظة الجيزة بعدد 4360 حادثة بنسبـة 8.5%، وفى المرتبـة الأخـيرة محافظة شمال سيناء بعدد 225 حادثة وبنسبة 0.4% من إجمالى حوادث الحريق، ورصد التقرير توقيتات الحوادث حيث تلاحظ أنه على مستوى شهور السنة سجل شهر مايو المرتبة الأولى لحوادث الحريق على مستوى شهور السنة بعدد 5794 حادثـة بنسبـة 11.4%، يليه شهر يونيو بعدد 4829 حادثة بنسبة 9.5% وأخيرًا شهر يناير بعدد 2943 حادثة وبنسبة 5.8% من اجمالى حوادث الحريق.

وبلغ عدد ضحايا حوادث الحريق 180 متوفى عام 2025 مقابل 232 متوفى عام 2024 بنسبة انخفاض قدرها 22.4%، فيما بلغ عدد المصابين 738 مصابا عام 2025 مقابل 831 مصابا عام 2024 بنسبة انخفاض قدرها 11.2%.

فيما كشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عدد نقاط الإطفاء على مستوى الجمهورية حتى نهاية عام 2025.

وكشف التقرير أن عدد نقاط الإطفاء ارتفع إلى 1016 نقطة بنهاية عام 2025، مقابل 978 نقطة عام 2021، بما يعكس استمرار التوسع في البنية الأساسية لمنظومة الحماية المدنية، بهدف دعم سرعة التعامل مع الحرائق وتقليل زمن الاستجابة في مختلف المحافظات.

وأوضح التقرير أن عدد النقاط سجل 983 نقطة عام 2022، ثم ارتفع إلى 1002 نقطة عام 2023، وهو العام الذي شهد أعلى معدل نمو خلال الفترة بنسبة 1.9%، قبل أن يصل إلى 1008 نقاط عام 2024، ثم 1016 نقطة عام 2025 بمعدل نمو سنوي بلغ 0.8%.

وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، تصدرت محافظة القاهرة المحافظات من حيث عدد نقاط الإطفاء، بعدما سجلت 91 نقطة تمثل نحو 9% من إجمالي النقاط على مستوى الجمهورية، تلتها الشرقية بـ76 نقطة، ثم البحيرة بـ71 نقطة.

وجاءت الجيزة في المركز الرابع بإجمالي 59 نقطة إطفاء، تلتها الغربية بـ57 نقطة، ثم القليوبية بـ56 نقطة، فيما سجلت المنوفية 48 نقطة، وكفر الشيخ 45 نقطة، وسوهاج 43 نقطة.

وأشار التقرير إلى تساوي الدقهلية والمنيا في عدد نقاط الإطفاء بواقع 42 نقطة لكل محافظة، بينما سجلت الإسكندرية 40 نقطة، وأسيوط 35 نقطة، والفيوم 32 نقطة، وأسوان 24 نقطة.

كما تساوت الإسماعيلية وقنا عند 23 نقطة لكل منهما، فيما بلغ عدد النقاط في جنوب سيناء 22 نقطة، بينما سجلت كل من الأقصر والوادي الجديد ومطروح 17 نقطة لكل محافظة.

وأضاف التقرير أن دمياط تضم 15 نقطة إطفاء، وبورسعيد 14 نقطة، والسويس 13 نقطة، والبحر الأحمر 12 نقطة، في حين جاءت شمال سيناء في المرتبة الأخيرة بإجمالي 4 نقاط إطفاء فقط.

ولم يقتصر انتشار نقاط الإطفاء على المحافظات، إذ رصد التقرير وجود 17 نقطة إطفاء تابعة لشرطة النقل والمواصلات لتأمين مرافق النقل، بالإضافة إلى 6 نقاط بميناء القاهرة الجوي، و6 نقاط أخرى بميناء الإسكندرية البحري، بما يدعم جاهزية منظومة الحماية المدنية لتأمين المرافق الحيوية وحركة النقل على مستوى الجمهورية.


العشوائيات وسرقة الكهرباء

إلى ذلك، كشف اللواء ممدوح عبد القادر، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية الأسبق، أن الأزمة الحقيقية التي تواجه منظومة إطفاء الحرائق في مصر، ليس في نظم الإطفاء وضعف الإمكانيات فحسب، ولكن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، فهناك أسباب وأمور تجعل التعامل مع الحرائق في مصر أكثر صعوبة.

الخطر الأكبر والأكثر الذي يعرقل رحلة التعامل مع الحرائق وفق ما أكده “مدير الإدارة العامة للحماية المدنية الأسبق” يكمن فى العشوائيات والمناطق العشوائية التى تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه أجهزة الحماية المدنية، موضحا أن المشكلة لا تقتصر على المناطق العشوائية القديمة التي تعمل الدولة على تطويرها، وإنما تمتد إلى ظهور عشوائيات جديدة يتم إنشاؤها بالمخالفة للقانون، بما يعرقل وصول سيارات الإطفاء والإسعاف إلى مواقع البلاغات.

وتابع “عبد القادر” إن البناء العشوائي غالبا ما يكون غير مطابق للمواصفات الهندسية، فضلا عن تقارب المباني وضيق الشوارع، وهو ما يصعب حركة سيارات الخدمات العامة، سواء سيارات الإطفاء أو الإسعاف أو غيرهما من مركبات الطوارئ، لافتا إلى أن المشكلة قد لا تكون في المنطقة التي شهدت الحريق فقط، وإنما في المناطق المحيطة أيضا، إذ قد تمنع الطرق الضيقة سيارة الإسعاف أو الإطفاء من الوصول إلى موقع الحادث في الوقت المناسب.

واستطرد: أيضا البناء العشوائي في الغالب يستخدم توصيلات كهربائية غير مطابقة للمواصفات، وتكون سببا أساسيا في اندلاع الحرائق، مؤكدا أنه لا يمكن مطالبة الحكومة بتفتيش كل منزل أو كل محل تجاري للتأكد من سلامة التوصيلات الكهربائية، ولذلك يجب أن يمتلك المواطن الوعي الكافي لتجنب هذه الأخطاء.

أسباب اندلاع الحرائق في مصر

وعن أبرز أسباب اندلاع الحرائق، أوضح مدير الإدارة العامة للحماية المدنية الأسبق، أن الكهرباء تمثل السبب الأكثر شيوعا في حرائق الشقق السكنية، مشددا على ضرورة إجراء الصيانة الدورية للأجهزة المنزلية من خلال فنيين ومتخصصين معتمدين، وعدم الاستعانة بأشخاص غير مؤهلين لإصلاح أجهزة مثل أجهزة التكييف أو غيرها من الأجهزة الكهربائية، ومحذرا من استخدام الوصلات الكهربائية الرديئة أو ما يعرف بـ"المشتركات" مجهولة المصدر، موضحا أنها من أكثر أسباب الحرائق شيوعًا، ونصح باستخدام منتجات معروفة الجودة، مع التأكد من عدم ارتفاع درجة حرارتها أثناء التشغيل، لأن سخونة المشترك تعد مؤشرا على عدم صلاحيته.

كما دعا إلى فصل شواحن الهواتف المحمولة وأجهزة اللابتوب وجميع الأجهزة الكهربائية عن مصدر الكهرباء فور انتهاء استخدامها، وعدم تركها موصلة بالكهرباء دون داعي، مشيرا إلى أن تشغيل المراوح أو أجهزة التكييف لساعات طويلة أو طوال الليل دون رقابة يمثل خطرا، لأن أي جهاز كهربائي قد يتعرض لعطل مفاجئ أو ماس كهربائي يؤدي إلى اشتعال النيران، ناصحا باستخدام خاصية المؤقت "التايمر" في أجهزة التكييف وعدم تشغيلها لساعات متواصلة أثناء النوم.

وأضاف أن من الأخطاء الشائعة أيضا تشغيل غسالات الملابس أو الأطباق ثم مغادرة المنزل أو النوم، أو ترك الطعام على النار دون متابعة، مؤكدا أن أي جهاز كهربائي أو مصدر حرارة يجب ألا يعمل إلا في وجود شخص يراقبه ويتدخل فور ظهور أي خلل، مؤكدا أن معظم الأجهزة الكهربائية تعطي مؤشرات على وجود أعطال قبل حدوث الحرائق، مثل الفصل المتكرر لجهاز التكييف أو انطفاء سخان الغاز بصورة غير طبيعية أو ظهور رائحة غاز، مشيرا إلى أن تجاهل هذه العلامات واستمرار تشغيل الأجهزة دون صيانة يمثل خطرا كبيرًا.

وتابع: السبب الثاني لاندلاع الحرائق، تسريب الغاز، فقد أفاد أنه في حال الشعور بتسرب للغاز داخل المنزل، يجب أولا تهوية المكان جيدا، ثم غلق مصدر الغاز، وعدم تشغيل أو إطفاء أي مفاتيح كهربائية، مع الاستعانة بفني متخصص لإصلاح العطل وعدم إعادة تشغيل الجهاز قبل التأكد من سلامته.

 

من يتحمل ضريبة اندلاع الحرائق؟

 

وأشار عبد القادر إلى أن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية الحوادث ليس أمرا صحيحا، مؤكدا أن المواطن يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية من خلال الالتزام بإجراءات السلامة وعدم اللجوء إلى المخالفات التي قد تتسبب في كوارث.

وأوضح أن أجهزة الحماية المدنية تعتمد عند تلقي البلاغ على توجيه أقرب سيارات الإطفاء إلى موقع الحريق، سواء كانت سيارة إطفاء تقليدية أو سيارة مزودة بسلم هيدروليكي، مشيرا إلى أن السيارة الأقرب هي التي تتحرك أولا، ثم تطلب الدعم من باقي القوات إذا استدعى الأمر ذلك، وقد يصل السلم قبل سيارات الإطفاء أو العكس، بحسب موقعه بالنسبة لمكان البلاغ.

غياب الوعى الثقافي في التعامل مع الحرائق

وأضاف “عبد القادر” أن الازمة الحقيقة التي تواجه منظومة الإطفاء فى مصر، غياب الوعي الثقافي في التعامل معها، مشددا على ضرورة نشر ثقافة الوعي الوقائي بين المواطنين هو خط الدفاع الأول للحد من الحرائق والكوارث، مؤكدا علي أن إطفاء الحريق والتعامل معاها يأتي من المواطن أولا، سواء في الوقاية أو في مواجهة الحريق في الدقائق الأولى من اندلاعه.

 

وكشف عن السبل الأساسية لمواجهة اي حريق، مشيرا إلى أن الأولوية القصوى عند اندلاع أي حريق هي إنقاذ الأرواح، مؤكدا أن الخطأ الشائع يتمثل في اندفاع المواطنين لمحاولة إخماد الحريق قبل إخراج الموجودين داخل المكان، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى وقوع حالات اختناق ووفيات بعد خروج الحريق عن السيطرة.

 

وأضاف أنه في حال تعذر الخروج بسبب امتداد النيران إلى باب الشقة، فلا ينبغي الوقوف وسط الدخان أو محاولة المرور عبر النيران، وإنما التوجه إلى أبعد غرفة داخل الشقة، وإغلاق الباب بإحكام، وسد الفتحات بمنشفة أو قطعة قماش مبللة بالمياه لمنع تسرب الدخان، مع فتح النافذة إن أمكن لتجديد الهواء حتى وصول فرق الإنقاذ.

 

كما أوضح أن التعرض لدخان الحريق يعد من أخطر أسباب الوفاة، لأن الدخان الساخن يرتفع إلى أعلى، لذلك يجب الزحف على الأرض أو الرقود عليها أثناء الحركة داخل المكان، حيث تكون طبقة الهواء القريبة من الأرض أقل امتلاءً بالدخان وأكثر أمانًا للتنفس.

 

أما عن مطالب البعض بإنشاء نقطة إطفاء في كل حي أو توفير سيارة سلم بكل منطقة، عبر مدير الإدارة العامة للحماية المدنية الأسبق عن رفضه لهذا الطلب، موضحا أن هذا الأمر غير مطبق في أي دولة بالعالم، لأن توزيع قوات الحماية المدنية يتم وفق أسس علمية تعتمد على الكثافة السكانية وعدد السكان وحجم المخاطر، وليس على تخصيص سيارة لكل منطقة.

 

واختتم اللواء ممدوح عبد القادر تصريحاته بالتشديد على أن الالتزام بإجراءات السلامة والصيانة الدورية والتعامل الصحيح مع الطوارئ يسهم بشكل كبير في حماية الأرواح والممتلكات.

 

تطوير منظومة الإطفاء ضرورة

 

وعلى الجانب الآخر، أكد الدكتور محمد إبراهيم جبر، أستاذ التخطيط العمراني ونظريات العمارة بجامعة عين شمس، أن الحوادث الأخيرة التي شهدت تفاعلا سلبيا من بعض المواطنين، إلى جانب ما أثير بشأن تأخر وصول سيارات الإسعاف أو محدودية إمكانياتها، كشفت عن وجود تحديات تتجاوز الواقعة نفسها، وتمتد إلى ثقافة المجتمع ومنظومة إدارة الأزمات والبنية العمرانية في عدد كبير من المناطق.

وأوضح جبر، في تصريحات خاصة، أن معالجة مثل هذه الأزمات يجب أن تنطلق من عدة محاور متوازية، يأتي في مقدمتها المحور المجتمعي، فالسلوكيات التي ظهرت من بعض المتواجدين في مواقع الحوادث، وردود فعلهم في التعامل مع الازمة، بما تستوجب دراسة علمية لفهم أسبابها، من خلال متخصصين في علم الاجتماع والطب النفسي، للوصول إلى آليات تعزز ثقافة التدخل الإيجابي والتعامل وقت الأزمات، وأيضا نشر ثقافة التعامل مع الحروق.

وأضاف أن وسائل الإعلام يقع على عاتقها دور مهم في طرح هذه القضايا باعتبارها تمس الشأن العام، ولا ينبغي الاكتفاء بتناولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصورة سطحية، بل يجب فتح نقاش مجتمعي يشارك فيه الخبراء والمتخصصون، لأن مثل هذه السلوكيات تنعكس بصورة مباشرة على أمن المجتمع.

 

وأشار إلى أن المحور الثاني يرتبط بمنظومة إدارة الأزمات، موضحا أن تأخر سيارات الإسعاف أو معدات الإنقاذ، وكثرة الشكوى في ذلك، يقود إلى ضرورة مراجعة سياسات الدولة في التعامل مع الكوارث، وتقييم مدى جاهزية الأجهزة المعنية وإمكاناتها الفنية.

 

وأكد أستاذ التخطيط العمراني أن الدولة مطالبة بإجراء مراجعة شاملة للأدوات والمعدات المستخدمة في الإغاثة والإطفاء، للتأكد من مدى كفاءتها وقدرتها على التعامل مع طبيعة العمران الحالي، ومدى احتياجها إلى التطوير أو التحديث بما يتناسب مع طبيعة المخاطر المختلفة.

ولفت إلى أن المشكلة العمرانية تمثل أحد أهم أسباب تعقيد عمليات الإنقاذ، مشيرا إلى أن العديد من المناطق غير الرسمية والعشوائية تفتقر إلى شوارع تسمح بحركة سيارات الإسعاف أو الإطفاء، وهو ما يعرقل سرعة الاستجابة في حالات الطوارئ.

وأوضح أن الدولة لا تمتلك حتى الآن قاعدة بيانات متكاملة تغطي جميع الأنساق العمرانية بصورة تفصيلية، وهو ما يجعل من الضروري تنفيذ مسح شامل لكافة المناطق العمرانية على مستوى الجمهورية، يتضمن جمع البيانات ورسم خرائط دقيقة توضح طبيعة كل منطقة، مع تحديد أماكن الخطورة والمشكلات المرتبطة بالبنية التحتية والعمران.

وأضاف أن هذا المسح يجب أن يتبعه تصنيف للمناطق الأكثر عرضة للأزمات، مثل المناطق ذات الشوارع الضيقة أو التي تفتقر إلى شبكات مكافحة الحريق، تمهيدا لوضع استراتيجية واضحة لمعالجة أوجه القصور والحد من تكرار مثل هذه الكوارث.

وأشار إلى أن البنية العمرانية الحالية في كثير من المناطق السكنية لا تساعد على التعامل السريع مع الحرائق أو الحوادث الكبرى، ما يتطلب تطوير منظومة إدارة الأزمات بالتوازي مع بناء قاعدة معلومات دقيقة عن العمران.

 

وأكد “جبر” أن إجراء تغييرات جذرية في النسيج العمراني الحالي ليس أمرا يمكن تحقيقه في وقت قصير، لأن ذلك يرتبط بواقع عمراني قائم منذ سنوات طويلة، إلا أن الدولة تستطيع التحرك عبر حلول مرحلية تقلل من حجم المخاطر.

وأوضح أن أول هذه الحلول يتمثل في مراجعة شبكات مكافحة الحريق، سواء من خلال تطوير الشبكات القائمة أو إنشاء شبكات موازية لتغذية سيارات الإطفاء بالمياه، بما يضمن سرعة التدخل في المناطق ذات الكثافات السكانية العالية.

كما شدد على ضرورة مراجعة اشتراطات السلامة والأمان داخل المباني والمنشآت، خاصة في المناطق التجارية المزدحمة، مع إحكام الرقابة على الأنشطة التي قد تؤدي إلى زيادة احتمالات اندلاع الحرائق أو اتساع نطاقها.

واستشهد بحريق منطقة الموسكي، موضحا أن الكثافات السكانية المرتفعة والزحام، مع وجود قصور في إجراءات السلامة، تؤدي إلى تضاعف آثار أي حريق وتحويله إلى أزمة كبيرة يصعب احتواؤها.

 

3 مراحل للتعامل مع مشاكل الحرائق

 

وأكد أن التعامل مع المشكلة يجب أن يتم وفق ثلاث مراحل؛ الأولى عاجلة وتشمل تطوير شبكات الإطفاء، ومراجعة اشتراطات السلامة، والرقابة على الأنشطة الخطرة، والثانية متوسطة الأجل تعتمد على تنفيذ مسح شامل للعمران، وبناء قاعدة بيانات ورصد جميع المشكلات ووضع حلول لها، أما المرحلة طويلة الأجل فتستهدف إعادة صياغة بعض الأنساق العمرانية تدريجيا بما يسمح بخلق فراغات ومسارات تيسر حركة سيارات الإسعاف والإطفاء وتزيد من قدرة الدولة على السيطرة على الكوارث مستقبلا، وتصميم المبنى بأسلوب يمكن المقيمين فيه من التعامل مع الطوارئ، مثل إنشاء سلم الطوارئ، فقد كانت المنازل القديمة تلتزم بإنشائه أثناء بناء المبنى.

 

واختتم "جبر" تصريحاته بالتأكيد على أن مواجهة مثل هذه الأزمات تحتاج إلى رؤية متكاملة تجمع بين تطوير البنية العمرانية، ورفع كفاءة منظومة إدارة الأزمات، وتعزيز الوعي المجتمعي، باعتبارها عناصر مترابطة لا يمكن الفصل بينها لضمان الحد من الخسائر في المستقبل.


غياب منظومات الوقاية داخل المؤسسات

 

أكد اللواء ممدوح زيدان، خبير إدارة الأزمات، أن الدولة المصرية تمتلك منظومة قوية للتعامل مع الحرائق، ممثلة في قوات الحماية المدنية وما تمتلكه من إمكانيات بشرية وفنية كبيرة، إلى جانب منظومة إطفاء القوات المسلحة التي تتدخل في حالات الأزمات الكبرى، مشيرا إلى أن نقاط الإطفاء موزعة بصورة جيدة جغرافيا على مستوى المحافظات والمناطق الصناعية، بما يضمن سرعة التحرك في الظروف الطبيعية.

 

وقال “زيدان”: إن المشكلة الأساسية لا تتعلق بإمكانيات الدولة أو كفاءة رجال الحماية المدنية، وإنما تكمن في غياب ثقافة الوقاية من الحرائق داخل المؤسسات والمنشآت المختلفة، موضحا أن أغلب المصانع والشركات والمستشفيات والمدارس وحتى المخازن والجراجات لا تمتلك منظومة متكاملة للوقاية والإنذار والإطفاء، رغم أن هذه المنظومة هي خط الدفاع الأول قبل وصول سيارات الإطفاء.

وأضاف أن كل منشأة يجب أن تكون قادرة على إطفاء الحريق ذاتيا خلال الدقائق الأولى، لحين وصول قوات الحماية المدنية، لأن الدقائق الخمس أو العشر الأولى هي الأكثر خطورة، ويتحدد خلالها ما إذا كان الحريق سيتم احتواؤه أم سيتحول إلى كارثة يصعب السيطرة عليها.

وأشار إلى أن خبرته في مجال إدارة الأزمات كشفت أن كثيرا من المؤسسات لا تهتم بإجراءات الوقاية، خاصة المنشآت الصغيرة والمخازن الموجودة أسفل العقارات السكنية، لافتا إلى أن بعض الحرائق المأساوية وقعت بسبب تخزين مواد شديدة الاشتعال داخل مباني مأهولة بالسكان، كما حدث في بعض الوقائع التي راح ضحيتها رجال من الحماية المدنية أثناء أداء واجبهم.

 

وأوضح أن الوقاية تبدأ من أبسط الأمور، مثل وجود طفاية حريق داخل المنزل، ومراجعة الأحمال الكهربائية، وعدم استخدام وصلات كهربائية غير مطابقة للمواصفات، أو تحميل المشترك الكهربائي بأجهزة تفوق قدرته، فضلا عن منع مرور الكابلات بشكل عشوائي على الأرض، لأنها قد تتعرض للمياه أو التلف وتسبب ماس كهربائي.

 

وأضاف أن بعض المؤسسات ما زالت تستخدم وسائل بدائية وخاطئة في تسخين المياه أو إعداد المشروبات داخل أماكن العمل، وهو ما يؤدي إلى احتراق لوحات الكهرباء أو اندلاع حرائق كان يمكن تجنبها بسهولة لو تم الالتزام بإجراءات السلامة.

 

وأكد "زيدان" أن اختيار خامات التشطيب داخل المباني يمثل عنصرا أساسيا في الوقاية من الحرائق، موضحا أن استخدام السجاد والألياف الصناعية القابلة للاشتعال داخل المدارس أو قاعات المحاضرات أو المسارح يساعد على انتشار النيران بسرعة كبيرة، بينما يجب استخدام خامات مقاومة للحريق حتى وإن كانت أعلى تكلفة.

وشدد على أن تجهيزات الإطفاء لا يجب أن تُحدد وفق الحد الأدنى لاحتياجات المنشأة، وإنما وفق زمن وصول أقرب نقطة إطفاء، موضحًا أن المنشأة التي تستغرق سيارات الإطفاء للوصول إليها 30 دقيقة يجب أن تمتلك إمكانيات ذاتية تكفي للسيطرة على الحريق طوال تلك المدة، لأن الازدحام المروري قد يؤخر وصول القوات رغم جاهزيتها.

وقال: إن رجال الحماية المدنية عندما يصلون إلى موقع حريق أصبح كتلة من اللهب تكون مهمتهم الأساسية منع امتداد النيران للمباني المجاورة، وليس فقط إنقاذ المبنى الذي التهمته النيران بالفعل، مؤكدا أن درجات الحرارة قد تصل إلى مستويات تجعل السيطرة على الحريق شبه مستحيلة إذا لم تتم مواجهته منذ بدايته.

 

وانتقد خبير إدارة الأزمات ضعف دور إدارات السلامة والصحة المهنية داخل المؤسسات، مؤكدا أن كثيرًا منها لا يراجع صلاحية طفايات الحريق، ولا ينفذ خطط الإخلاء، ولا يجري تدريبات دورية للعاملين على مواجهة الحرائق، رغم أن هذه الإجراءات تعد من أساسيات إدارة المخاطر.

وأوضح أن هناك ثلاثة عناصر لابد أن تتوافر في أي منظومة لمواجهة الحرائق، وهي الوقاية، والإنذار المبكر، ثم الإطفاء، مؤكدا أن هذه المنظومة تختلف من منشأة لأخرى وفق طبيعة النشاط وحجم المبنى ونوعية المواد الموجودة داخله، خاصة إذا كانت المنشأة تتعامل مع مواد خطرة أو سريعة الاشتعال.

وأشار إلى أن تكلفة إنشاء منظومة سلامة متكاملة لا تتجاوز في المتوسط من نصف إلى 1% من قيمة الاستثمار، لكنها تحمي نحو 99% من أصول المشروع، معتبرا أن عدم توفير هذه النسبة البسيطة قد يؤدي في النهاية إلى خسارة المصنع أو الشركة بالكامل، فضلًا عن الأرواح التي قد تزهق نتيجة الحريق.

وأضاف أن شركات التأمين يجب ألا تمنح وثائق تأمين لأي مصنع أو شركة لا تمتلك منظومة متكاملة للوقاية والإنذار والإطفاء، لأن ذلك سيدفع أصحاب المنشآت إلى الالتزام بمعايير السلامة، بدلا من التعامل معها باعتبارها تكلفة يمكن الاستغناء عنها.

وفيما يتعلق بما يثار حول تأخر سيارات الإطفاء، أوضح زيدان أن الأمر لا يرتبط دائما بالتقصير، وإنما في كثير من الأحيان يكون نتيجة نقص المعلومات الواردة في البلاغ، أو عدم وجود تنسيق مسبق بين المنشآت وأقرب نقطة حماية مدنية، بحيث تكون القوات على علم بطبيعة المبنى والمواد الموجودة داخله والمعدات التي قد تحتاج إليها أثناء التدخل.

وأكد أن حساب زمن الاستجابة يتم بالدقائق وليس بالكيلومترات، فقد تستغرق سيارة الإطفاء نصف ساعة لقطع كيلومتر واحد بسبب الكثافات المرورية، بينما قد تقطع مسافة أطول في وقت أقل إذا كانت الطرق خالية، لذلك يجب أن تبنى خطط الطوارئ داخل المؤسسات على أساس الزمن المتوقع لوصول قوات الإطفاء.

وأشار إلى أن الدولة تمتلك كودا مصريا للوقاية من الحرائق يتم تحديثه بصورة دورية، وكان آخر تحديث له في يناير 2026، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف الالتزام بتطبيقه أصحاب المنشات، مطالبا بعدم إصدار أي ترخيص بناء أو تشغيل إلا بعد التأكد من الالتزام الكامل باشتراطات هذا الكود.


 

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية