بعد انتهاء امتحانات الثانوية، روشتة الأوقاف لاستثمار وقت الفراغ في الإجازة الصيفية
انتهى طلاب الثانوية العامة من أداء امتحانات نهاية العام الدراسي، وبدأ الطلاب في الاستمتاع بإجازتهم الصيفية؛ مما يخلق لديهم وقت فراغ كبيرا، قبل الاستعداد للموسم الدراسي الجديد.
استثمار وقت الفراغ
ومن جانبها، أكدت وزارة الأوقاف المصرية أن وقت الفراغ نافذة حرة لبناء الذات وتكامل الشخصية الإنسانية إذا أُحسن توظيفه واستغلاله بالشكل الأمثل، مشيرة إلى أنه في الوقت ذاته يتحول إلى عبء ومصدر للاضطراب والانحراف إذا غاب الوعي بأهمية استثماره بطرق إيجابية نافعة.
المقصود من استثمار وقت الفراغ
وقالت الأوقاف: يقصد من استثمار وقت الفراغ توظيفها للأفراد واستغلالها بما يعود عليهم بالنفع وإشباع حاجاتهم ودوافعهم الشخصية [استثمار وقت الفراغ وعلاقته بالرضا عن الحياة لدى أولياء أمور الأطفال المعاقين ذهنيًّا، محمد السيد مطر، ص٢٤٥]، ويعرف بأنه الطريقة التي يقوم بها الفرد بشغل أوقات فراغه بعد الانتهاء من الأعمال أو الواجبات الملزم القيام بها، ويمكن أن يحمل معنيين؛ إما استثمار سلبي يؤثر على حياة الفرد أو استثمار لأوقات فراغه بطريقة إيجابية نافعة، وبالتالي يكون التأثير إيجابيًّا على شخصية الفرد [أهمية استثمار أوقات الفراغ، جمال مرازقة، ص ٤٠].
أثر استثمار وقت الفراغ في الشخصية
وأوضحت أن استثمار الفراغ بشكل إيجابي وسوي أمر مهمً للشخصية الإنسانية؛ لأنه يؤدي إلى تنمية الشخصية وبنائها وتكاملها ويزودها بالخبرات، ويظهر هذا التأثير في التأثير الجسمي؛ حيث يسهم بطريقة إيجابية في رفع معدل اللياقة البدنية من خلال الأنشطة الرياضية التي تعمل على توازن البناء الجسمي والعضلي، كما يظهر في أثره التأثير العقلي والعاطفي، فهناك عوامل مهمة، مثل: اللعب والترويح والتمرينات الرياضية تلعب دورًا مهمًّا في تنمية القدرات والتوازن العاطفي، ويظهر أثر استثمار الفراغ بشكل إيجابي في تكامل الشخصية، فيتيح استثمار وقت الفراغ فرصة للتعبير عن الشخصية، والتعويض عن النقص الذي قد تعاني منه، ويساعد على هذا الخبرة الشخصية للفرد في ممارسة الأنشطة المختلفة، كما يظهر الأثر الإيجابي لاستثمار الفراغ بشكل إيجابي في الدافعية الاجتماعية، فقد اهتم علماء الاجتماع بالعديد من الدوافع الاجتماعية لعلاقتها بوقت الفراغ؛ حيث تلعب هذه الدوافع الاجتماعية المرتبطة بالتفاعل الاجتماعي والثقافة دورًا أساسيًّا في السلوك الإنساني، مثل: الأمنيات والمواقف والاهتمامات والعادات والرغبة في المشاركة، وكل دافع من هذه الدوافع الاجتماعية له صلة بنوع من النشاط الرياضي أو الثقافي أو الترويحي، وأخيرًا يظهر أثره في المهارات والتعبير الاجتماعي والمكانة الاقتصادية، فيوفر وقت الفراغ فرصًا عديدة لتنمية المهارات والقدرات في أنواع مختلفة من الأنشطة، كما أنه يوفر فرصة للتعبير الاجتماعي، كالخطابة والتمثيل والفنون المختلفة وتطوير المهارة في الأداء مطلبٌ ضروري للاستمتاع والإفادة من وقت الفراغ، كما أن المشاركة الجماعية في القيام بالأنشطة المختلفة تهيئ للفرد الخبرة والمهارة وكيفية التعامل مع الآخرين، وهذه الصفات ينميها الترويح الاجتماعي.
أهم مجالات استثمار وقت الفراغ
وأشارت إلى أنه توجد مجالات عديدة لاستثمار وقت الفراغ، منها: المطالعة وقراءة الكتب، وممارسة الألعاب الرياضية، مشاهدة التلفزيون، والاستماع للراديو، وزيارة الأصدقاء ومجالستهم، والقيام برحلات ترفيهية، وزيارة الأماكن المقدسة، والذهاب إلى الأندية، وممارسة الأنشطة الفنية، وتعليم الأفراد بعض المهارات اليدوية أو الهويات [أساليب استثمار وقت الفراغ للطلبة الجامعيين، فهيمة كريم رزيج المشهداني، ص ٣٥٥ بتصرف].
المشكلات الناتجة عن سوء استثمار وقت الفراغ
وأضافت أنه لا شك في أن عدم استثمار وقت الفراغ أو استثمارها بصورة خاطئة ينتج مشكلات نحن في غنى عنها في مجتمعنا، ومن هذه المشكلات أن وجود وقت متسع من الفراغ يسبب الانخراط في اللهو والعبث والجلوس في المقاهي أو التسكع في الشوارع والطرقات، ومثل هذه الحالة قد تنمي في الفرد عادة الإهمال، وقد تدفعه نحو الانحراف والسلوكيات السلبية، وعدم توافر الإمكانات والأنشطة الرياضية والثقافية والكشفية والترويحية والترفيهية والاجتماعية يكمن وراء ظهور هذه المشكلات [استثمار وقت الفراغ لدى الشباب قضية سيكولوجية اجتماعية، عبد الله محمد قاسم، ص ١٠٨]، وقد أظهرت دراسة عبد الرحمن علي بديوي (٢٠١٥) أن من المشكلات الناتجة عن سوء استخدام وقت الفراغ تتمثل في التدخين، واستخدام الانترنت في التواصل للهروب من المشكلات، وارتياد المواقع الإباحية في مقابل المواقع الإسلامية، والإفراط في مشاهدة الأفلام وأغاني الفيديو كليب في التليفزيون، وكثرة السهر، والاستخدام السلبي للموبايل.
كيفية معالجة سوء استثمار وقت الفراغ
وشدد على أنه يمكن القضاء على مشكلة سوء استثمار وقت الفراغ عن طريق ما يعرف باسم (عملية التسامي) أو الإعلاء بدوافع الفرد وغرائزه والسمو بها من صورتها البدائية إلى صور راقية وحضارية نافعة، فتتاح الفرصة للمراهق – مثلًا - ليصرف فائض طاقته وحيويته الجسمية والذهنية في الأنشطة النافعة والبناءة والإيجابية التي تصقل شخصيته وتنمي قدراته ومواهبه، وتنفع المجتمع الذي يعيش فيه.
كذلك يمكن القضاء على مشكلة سوء استثمار وقت الفراغ بتشجيع الأفراد على العادات الإيجابية كحب القراءة والبحث والاطلاع، والاشتراك في الرحلات العلمية والاستكشافية للتعرف على معالم المجتمع القديمة والحديثة، وتدريب الأفراد على تعلم الهوايات النافعة التي يستثمرون فيها أوقاتهم، وكذلك تنظيم معسكرات للعمل أثناء الإجازات الصيفية للاستفادة من طاقات الأفراد فيها، ويتطلب حل هذه المشكلة التوسع في إنشاء الأندية الرياضية [استثمار وقت الفراغ لدى الشباب قضية سيكولوجية اجتماعية، عبد الله محمد قاسم، ص ١٠٩].

وقت الفراغ واستثماره في المنظور الإسلامي
وتابعت أن الإسلام ينظر إلى وقت الفراغ بوصفه نعمةً ومسؤوليةً وفرصةً للبناء؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قال النبي – صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [صحيح البخاري، ٦٤١٢]، وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم – بأن الصحة والفراغ نعمتان تنبيه أمته على مقدار عظيم نعمة الله على عباده فى الصحة والكفاية [شرح صحيح البخاري، لابن بطال، ١٠/ ١٤٦، كِتَاب: الرِّقَاقِ، بَاب: لا عَيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ]، كما أنه ينظر إلى الوقت باعتباره فرصةً للانتقال من عمل نافع إلى آخر، ويفهم هذا من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ﴾ [الشرح: ٧]، يقول الطاهر بن عاشور: "وأما قوله: (فإذا فرغت) فتمهيد وإفادة لإيلاء العمل بعمل آخر في تقرير الدين ونفع الأمة، وهذا من صيغ الدلالة على تعاقب الأعمال" [التحرير والتنوير، لابن عاشور، ٣٠/ ٤١٧]، ولا يعني ذلك إرهاق النفس بلا توازن، وإنما المقصود أن يكون الفراغ موجّهًا نحو غاية مفيدة؛ كطلب العلم، وتنمية المهارات، وأداء العبادات، وخدمة الأسرة والمجتمع، والعمل الذي يحقق الخير [الحضارة الإسلامية: أسسها ووسائلها، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ١/٣٤٠].
استثمار وقت الفراغ
وأوضحت الأوقاف أن استثمار الفراغ بشكل إيجابي ركيزة أساسية لتنمية شخصية الفرد بجوانبها البدنية والعقلية والاجتماعية، ولتجنب آفات الفراغ وسلوكياته السلبية يتحتم على المجتمع تبني حلول عملية كالتسامي بالطاقات ونشر هوايات القراءة، وتوسيع الأندية الرياضية، فتحويل هذا الوقت من عبء مقلق إلى طاقة إنتاجية هو المعيار الحقيقي لتقدم المجتمعات ورقيها.
