والفساد.. الفساد!
لم تكن دعوة رئيس الجمهورية في يوم افتتاح الأوكتاجون، مقر القيادة الاستراتيجية لمصر ومخها الذكي، إلى إعلام موضوعي فاعل، ولا دعوته إلى انتخابات محليات جادة تحترم اختيارات الناخبين، هما وحدهما أهم ما في الخطاب الفارق ببدء إعلان مرحلة جديدة في طريقة تفكير ومنهج مؤسسة الرئاسة، يطلق عليها الجمهورية الجديدة.
حين يتم بالفعل تنفيذ هذين العاملين الجوهريين سيشعر الناس أنهم تحت مظلة هذه الجمهورية الجديدة بحق.. لكنهم لن يشعروا أبدا، ولن تتحقق دعوة الرئيس الي حرية الإعلام وموضوعيته وحرية الانتخاب ونزاهته، بدون تنفيذ الدعوة الثالثة التى تضمنتها كلمة الرئيس السيسي، وهي مكافحة الفساد..
الفساد لن ينتهي منذ بدأ وحتى آخر يوم وثانية على وجه الأرض، ومع ذلك فإن مكافحته فريضة، وستجد لفظة الفساد والمفسدين والفاسدين كثيرة الأوجه في النصوص الدينية في كل الأديان.. وبدون ملاحقة الفساد ستبقي دعوتي الرئيس. حلما، وأملا يطارده كل من يتولي الأمر الآن وبعد الآن..
بدأ الرئيس السيسي عهده في ظروف غاية في القسوة، إرهاب وفساد متحالفان، وإن لم يلتقيا، وإن لم يتفقا، وتشهد الفترة الساخنة التى تلت الإطاحة بحكم الإرهاب القبض علي وزراء ومحافظين ومسئولي ضرائب ومسئولي جمارك، متلبسين بالرشاوى الضخمة.. ولم ينته طابور المرتشين ولا تحللت شبكة الفساد..
الفساد مؤسسة منظمة غاية التنظيم، لها جذورها وفروعها، وهي ذات حصانة ذاتية وأحيانا خارجية، خارجية من داخل الوطن، من فاعل مستتر، أو من خارج الوطن من ممول ومن مخطط ومن آمر..
توجيه الرئيس باستمرار مكافحة الفساد يعني إدراكه أن الأمر لم يتم بعد على الأوجه الأكمل، وأن نظافة الدوائر الإدارية الرسمية شرط وعنوان لنزاهة الادارة كلها، وأن تطهير الوزارات من وزراء ومسئولين موضع الريبة اجراء يضيف إلى نزاهة الحكم وشفافيته ورفضه للعدوان على المال العام..
ليس الفساد فقط مجرد استيلاء المسئول كبر أو أوصغر أو ضمر علي مال الشعب والتربح من منصبه وبناء كروش وعروش مالية لأسرته الصغيرة، بل الفساد في سوء ترشيح من يشغل المناصب العامة، ربما لا يكون الترشيح بنية سيئة، لكنه في النهاية ترشيح سيئ. وأسود وضار بالدولة وبواجهتها التنفيذية..
وكم من وزير أحاطت به الريبة والتساؤلات، ومن الجيد أن استقالت وزيرة الثقافة وأن عجلت بالاستقالة بعد أن صدر حكم النقض القضائي البات النهائي بأنها اعتدت على الملكية الفكرية لكتاب للزميلة الصحفية سهير عبد الحميد..
الحكم يعني إدانة وزيرة الثقافة بسرقة محتوى ثقافي، ومن الغريب أن تقع وزيرة بحجم الدكتورة جيهان زكي وبثقل عائلتها الرفيعة في حفرة كهذه، وهي حاولت في بيان لها أمس أن توضح وأنها لن تسكت.. في كل الأحوال لقد خرجت الرصاصة بالفعل!
الفساد ليس فقط العدوان على المال أو الفكر، بل في بناء عصبة عمل مغلقة لا تفتح ولا حتى توارب الباب الإ لأشباهها، تضع في المراكز العامة أشباه أكفاء.. غير مؤهلين التأهيل المناسب، بل هم مناظر. أداء.. يلوكون ألفاظا ضخمة منفوشة.. هم موضع رفض عام..
هذا هو الحال، لو نجحت الدولة بأجهزتها الشريفة في تطهير الحكومة من الفاسدين والمرتشين، فقد تتحقق دعوة الرئيس ثلاثية الجدوي الوطنية.. إعلام حر موضوعي، محليات نزيهة.. طهارة الإدارات التنفيذية..
وكما أن الأمن شعور عام، إذ من المستحيل وضع شرطي وراء كل مواطن، فكذلك الفساد شعور عام، والنظافة شعور عام، واستمرار الملاحقة وإشهارها وفضح اللصوص آيا كانت مكانتهم سيخلق أجواء ردع.. ومنع.. تلك تكون عندئذ الجمهورية الجديدة.
