رئيس التحرير
عصام كامل

جرائم حسام حسن

18 حجم الخط

يعتقد البعض أن إنجازات حسام حسن أنه استطاع أن يصل بمنتخب مصر إلى أدوار لم نكن نحلم بها، ويظن آخرون أن ما فعله حسام من أداء مشرف وأن إطلالته الجريئة هي التي جعلتنا نقفز فرحًا ونحلم بما كان بالنسبة لنا من دروب الخيال، ويتخيل فريق ثالث أن عظمة حسام أنه قدم مصر الرياضية في أبهى صورها.


وما بين خيالات التائهين وبين الواقع الذي جرى ولم ينتبه له أحد، مسافات أكثر أهمية من فكرة كرة القدم، ومن الاعتقادات الخاطئة أننا أمام لعبة شعبية قذف بها حسام ورفاقه إلى شباك الخصوم، فصنع مباريات نارية وضعت مصر في خانة الكبار.


آفة حسام وخطيئته الكبرى أنه استطاع أن يلعب في ماكينة العقل المصري، وتمكن، دون أن يدري، من أن يدخل إلى لغز الإدارة الدفين، لغز يسري في بدن الدولة المصرية منذ عشرات السنين، لغز يختزله من يديرون الأمور تحت عنوان: ليس في الإمكان أفضل مما كان.


تعيش الدولة المصرية سجن الإمكانيات، فرؤساء الحكومات المتعاقبون يصورون لنا أن اقتصادنا بعافية لأننا دولة فقيرة، فقيرة "أوي"، ليس لدينا بترول، وليست لدينا معادن، وليست لدينا مياه كافية للزراعة، باختصار كُتب علينا الفقر بسبب الجغرافيا والأرض الخالية من كل الكنوز، فخرج علينا حسام ليقول غير ما يقال.


من يشكلون الوزارات يختارون الأردأ تحت شعار تلك هي "القماشة"، ويتبجح البعض بالقول: "نجيب منين".. نستورد وزراء يعني، ومن كانوا يشكلون فرق الكرة من الوطنيين والأجانب صوروا لنا أيضًا أن التكوين الجسماني للمواطن المصري تكوين ضعيف وهزيل، وتلك هي القماشة، فخرج علينا حسام ليقول غير كل ما قيل سابقًا أو يقال لاحقًا.


في تشكيل الوزارات المتعاقبة سترى من فنون المجاملات والاختيارات القبلية ما يجعلك "تكفر" بمنهج الكفاءة، وتعتقد وهمًا أن هؤلاء المكتوبين علينا لا بدائل لهم، وأن قدرنا يظل حبيس العائلات الوزارية والعائلات القضائية والعائلات الشرطية.. جاء حسام بدين جديد يعلي من قدر الكفاءة ويحط من قدر الوساطة والمحسوبية.


قبل مرحلة حسام أطلق علينا النظام الكروي في مصر عناكب المطبلاتية وأفاعي النقد الرياضي وهتيفة الموالد، وصوروا لنا أن حسام ذاهب إلى حيث لا رجعة، لدرجة أن أحدهم بشرنا بأننا سنخسر من بلجيكا عشرة مقابل صفر، وعدد أسبابه، وقال من عفن فمه ما قاله مالك في الخمر.. أسكت حسام أبواق الخرف، وصب من إرادته الفولاذية خرسانة الصمود على حناجر كذابي الزفة والأكالين على موائد اللئام.


صور لنا كل من جاءوا قبل بدء التاريخ الحسامي إننا عادة ما نذهب إلى المسابقات الدولية من أجل التمثيل المشرف، ولم يقل لنا أيٌّ منهم المعنى الحقيقي للتمثيل المشرف، وعندما وطئت أقدام حسام أعلى قمة السباق الكروي قال قولته الشهيرة: مصر لا تهاب أحدًا، فلعبت مصر ولم تهاب أحدًا!


وفساد الكرة مثل فساد السياسة، ومثل فساد الاقتصاد، ومثل كل فساد يترعرع في بلادنا ويجد من يرويه ويغذيه ويقوم عليه، لدرجة أن رئيسًا مصريًا قال لوزير على الهواء مباشرة "كرشك كبر أوي.. كفاية كدة"، وقال لكاتب صحفي يوصف بأنه كبير: "هات حسابك نخلطه على حسابي في البنك وأنا الكسبان"، جاء حسام ليخط سبيلًا جديدًا أطاح فيه بالفساد وزبانيته، فكان ما كان، ووصل الرجل إلى ما لم يصل إليه أحد قبله.


ومن جرائم حسام حسن أنه قال فصدق، ولم يقل لنا إن مصر خلال بضع سنين ستكون في موضع آخر كما ردد مدبولي، حسام نزل إلى أرض المعركة وخاض صراعًا ضد الفساد وضد الترهل وضد العجز، وذهب بنا بعيدًا خلال سنوات قليلة، ذهب إلى آفاق الحلم بتحطيم أحلام كبار العالم وتكسير عظام ميسي، أعجوبة الكرة وساحرها المتفرد.


وقبل حسام كنا نذاكر هدفًا يتيمًا لمجدي عبد الغني ونتذكره ونقدمه أطروحة أمل للأجيال، وجاء حسام ليجعل أنظار العالم كله تتابع معجزاته وتلتف حول إرادته الفولاذية، فمن منا كان يتصور في يوم من الأيام أن ينام الشعب المصري حزينًا لأن أباطرة كرة القدم سرقوا منا الفوز على الأرجنتين، صاحب الكأس والمرشح للبطولة؟

أن يخرج من بيننا رجل ليقول فينا إن لدينا القدرة، وإن لدينا الحلم، وإن لدينا إرادة يمكنها أن تعبر بنا أسوار العجز التي صاغ ملامحها ورسم تفاصيلها ورسخ رواسبها كل من أوهمونا أننا غير مؤهلين وغير قادرين وغير مستحقين، مثل هذا الرجل لا يمكن اختزاله في ملعب لكرة القدم.. هذا الرجل لعب في الدماغ وليس في المرمى!

الجريدة الرسمية