رئيس التحرير
عصام كامل

ورحل النبيل الصادق

18 حجم الخط

فركت عينَيَّ وأنا أقرأ الخبر الصادم، اتصلت بصديقتي وأم الأحرار، الكاتبة الكبيرة ثناء الكراس، فأكدت لي الخبر وهي لا تستطيع أن تكمل المكالمة، كانت ثناء منهارة إنسانيًا، رحل نبيل صادق، أحد أهم أعمدة فن الكاريكاتير، وأول من وضع خطوطه لأول صحيفة مصرية معارضة في نوفمبر 1976م.

ونبيل صادق، الفنان الموهوب والإنسان المدهش، له قصة مع الصحافة أخذته من أعماق الإقليمية إلى آفاق القاهرة الرحبة، ومنها أصبح اسمه نورًا وفكرًا وسوط عذاب على الفاسدين، جاء نبيل من الشرقية ليجد نفسه بين أقطاب الكبار في عالم الصحافة، وبعد أعوام قليلة أصبح واحدًا منهم.

كان الراحل الكاتب الصحفي الكبير وحيد غازي رئيسًا لقسم التحقيقات في أول صحيفة مصرية معارضة صدرت بعد المنابر الثلاثة، وكان يوصف بأنه صحفي مصر الطائر بين المحافظات، وفي إحدى رحلاته الصحفية بمحافظة الشرقية، التي كان ينتمي إليها في جذوره العائلية، اطلع على صحيفة محلية، وأخذته خطوط فنان كاريكاتير مدهش اسمه نبيل صادق.

عندما عاد وحيد إلى القاهرة، تحدث إلى رئيس التحرير الراحل العظيم صلاح قبضايا عن هذا الفنان الرائع، كانت الأحرار المعارضة قد نشأت على كوكتيل من صحفيي أخبار اليوم والجمهورية، كان رئيس التحرير واحدًا من أعمدة أخبار اليوم، وكان وحيد غازي وسعيد عبد الخالق يمثلان دار التحرير، وقد بدأوا في ضم عدد من الشباب الواعدين، حمدي حمادة، ولطفي عبد اللطيف، وجمال شوقي، وثناء الكراس، وغيرهم.

قدم وحيد عددًا من الصحيفة الإقليمية بالشرقية إلى صلاح قبضايا، الذي اندهش لروعة خطوط نبيل صادق، وعلى الفور تواصلوا معه، وفي اليوم التالي كان واحدًا من أهم رموز الأحرار، قدم عددًا من الشخصيات الكاريكاتيرية، وعلى رأسها مخلص الوسطاني، الذي جاء ليمثل منبر الوسط، ويقدم نفسه للمجتمع بطريقة ساخرة عميقة.

ولم تكن ريشة نبيل صادق وحدها هي المؤثر الوحيد في قدومه إلى صحافة المعارضة الناشئة في نهايات عام 1976م، بعد أن تكون فريق عمل يحيط بنبيل، يشاركهم رئيس التحرير في وضع الأفكار التي يطرحونها في كل عدد، وبين يوم وليلة أصبح ابن الشرقية حديث الجماهير، والحاضر في ساحات المحاكم أيضًا!

عملت مع نبيل صادق لأكثر من عشرين سنة، لم أره يومًا إلا وتعلو وجهه ابتسامة تملأ الدنيا سعادة وإشراقًا ومحبة، ولم أسمع منه طوال هذه الرحلة الحافلة إلا كل طيب، ولم يختلف يومًا مع زميل إلا وصالحه قبل أن يغادر صالة التحرير، كان قلبًا يسع الجميع.

تدور حلبة النقاش والجدل، ونبيل هناك في زاوية بعيدة من صالة التحرير، تشعر أنه غارق في أفكاره، وعند اللحظة الحاسمة يأتيك صوته بتعليق، وكأنه يضع عبارته المركزة فوق شخصيته الكاريكاتيرية، كانت سخرية نبيل صادق ملتزمة، تشبه تدينه، وتتطابق مع أخلاقه، وتتسق مع طبيعته الوديعة.

رحم الله نبيل صادق، وأسبغ على أهله وتلامذته ومحبيه وزملائه صبرًا جميلًا، لم يكن نبيل شخصية عابرة في بلاط صاحبة الجلالة، كان بطلًا شجاعًا في الدفاع عن البسطاء، كان نارًا على أعداء مصر، ونورًا هاديًا لأهلها.. كان فعلًا النبيل الصادق.
 

الجريدة الرسمية