المفتي: الممارسات الصهيونية بفلسطين لا تعرف الرحمة ولا تحترم حق الإنسان في الحياة
أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الحضارة الإسلامية ليست مجرد مرحلة زمنية في تاريخ البشرية، ولا تجربة حضارية عابرة بين التجارب الإنسانية، وإنما هي مشروع حضاري متكامل جمع بين بناء الإنسان وعمارة الأكوان، وبين تهذيب الروح وإعمار الحياة، وبين رقي القيم وازدهار العلوم، حتى استطاعت أن تقدم نموذجًا متوازنًا يجمع بين متطلبات الدنيا ومقاصد الآخرة، ويحقق الانسجام بين احتياجات الإنسان المادية والروحية.
وأضاف المفتي: هذه الحضارة جعلت من الجمال قيمة شاملة تشمل ظاهر الإنسان وباطنه، وتشمل الفرد والمجتمع وتحقق والعمران، فعُنيت بجمال النفس والخلق، كما عُنيت بجمال الطبيعة واللباس والبيت والمدينة، وجعلت الإحسان مبدأً يحكم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالكون من حوله وفي الوقت ذاته فتحت أبواب العقل للنظر والتأمل والاكتشاف، وشجعت البحث والعلم، وحاربت الخرافة والوهم، وربطت بين التقدم المادي والارتقاء الأخلاقي، وهو ما منحها خصوصيتها الحضارية التي لم تستطع كثير من الحضارات القديمة أو المعاصرة الوصول إليها.
مؤتمر "الحضارة الإسلامية طريق التسامح والسلام والتنوير"
جاء ذلك خلال كلمة مفتي الجمهورية في مؤتمر "الحضارة الإسلامية طريق التسامح والسلام والتنوير" الذي ينعقد بالعاصمة الأوزبكية طشقند في الفترة من 7 إلى 8 يوليو الجاري بمشاركة نخبة من كبار العلماء والمفكرين والقيادات الدينية.
وأوضح عياد أن هذا التوازن الحضاري لم يتوافر – حتى الآن – في أي حضارة عرفتها البشرية، بما في ذلك الحضارة الغربية المعاصرة، التي أنهكت البشرية بالحروب الدامية، وأفقدتها إنسانيتها، وأماتت روحها، وعززت فيها جوانب الشهوانية والحيرة والاضطراب والفساد، مما حقق لها الشقاء، وأفقد الإنسان الأمن والطمأنينة والحياة المستقرة، في حين أن الحضارة الإسلامية احترمت العقل، ودفعته دفعًا حثيثًا ليستكشف سنن الله في الكون، وعززت قيم الرحمة والتسامح والسلام بما يحقق مصلحة الإنسانية جمعاء، مؤكدًا أنه مهما قيل عن الحضارة الإسلامية من قِبل خصومها، فلا يستطيع أحد أن ينكر أنها كانت أكثر الحضارات رحمة بالناس وأشدها عدلًا. والواقع المعاصر شاهد على أن الحضارة الغربية لا تعطي الحقوق لأصحابها، ولا تسعى إلى مصلحة الإنسانية جمعاء، وإنما تتجه إلى تحقيق مصالحها الخاصة ولو كان ذلك على حساب القيم والمثل الإنسانية العليا، وأن استحضار الحضارة الإسلامية اليوم ليس من باب الوقوف على الماضي والبكاء عليه، وإنما من أجل حث المسلمين على الاعتزاز بحضارتهم الإنسانية المتفردة، والعمل الجاد لاستعادة قيمها ومبادئها في الواقع المعاصر.
التسامح في الحضارة الإسلامية
وأشار مفتي الجمهورية إلى أن التسامح والسلام في الحضارة الإسلامية ليسا شعارين يرفعان ولا موقفين ظرفيين تفرضهما المصالح أو التوازنات السياسية، بل كلاهما أصل راسخ من أصول هذه الحضارة، يستمد وجوده من العقيدة الإسلامية، ويستند إلى أحكام الشريعة، وتؤكده الأخلاق، وقد ترجمه المسلمون في ممارساتهم عبر تاريخهم الطويل. وكلما اقترب المجتمع من هدايات الإسلام الصحيحة ازداد عدلًا ورحمة، واتسعت فيه دوائر التعايش، وصيانة الحقوق، واحترام كرامة الإنسان، بصرف النظر عن دينه أو جنسه أو لونه أو لغته، كما أن الحديث عن التسامح في الحضارة الإسلامية لا يقتصر على كونه فضيلة أخلاقية، بل يمثل منظومة حضارية متكاملة قامت على بناء الإنسان، وإقامة العمران، وتحقيق العدالة، وصيانة الحقوق، وإشاعة الأمن، وإرساء السلام بين الأفراد والشعوب، وهو ما شهد به كثير من المؤرخين والباحثين المنصفين قديمًا وحديثًا.
واستدل مفتي الجمهورية على أن الحضارة الإسلامية حضارة إنسانية في نزعتها وأهدافها، تؤمن بوحدة النوع الإنساني رغم تنوُّع الأعراق والأوطان والألسنة، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، مؤكدًا أن هذه الحضارة لم تتخلَّ عن قيمها الإنسانية في الحكم أو التشريع أو العلم أو الحرب أو السلم أو الاقتصاد أو الأسرة، وإنما التزمت بالأخلاق الإنسانية تشريعًا وتطبيقًا، وجعلت الحب والسلام والتسامح ركائز أساسية لاستقرار المجتمع، فلم تضق ذرعًا بالأديان السابقة، وعملت على ترسيخ المساواة بين الناس جميعًا دون تعصب لرأي أو مذهب، وأقامت علاقاتها على العدل، فلا ظلم ولا جور، ولا يستعلي فيها عِرق على عِرق، ولا لون على لون، ولا لغة على أخرى، وهو ما جعلها محل إعجاب المنصفين من مختلف الأمم والأديان. كما قررت أن الرسالات السماوية جميعها تنبع من أصل واحد، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾ [الشورى: 13]، وأوجبت الإيمان بجميع الأنبياء والرسل دون تفريق، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا... لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 136]، كما أرست مبدأ حرية الاعتقاد بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، وجعلت التعاون على البر والتقوى أساسًا للعلاقات الإنسانية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وقال: إن هذه المبادئ لم تبق نصوصًا نظرية، وإنما تحولت إلى واقع عملي جسدته السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي؛ فقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعاش مع اليهود في ظل وثيقة المدينة التي احترمت عقائدهم، وكفلت لهم حقوقهم، والتزمت الدولة بالدفاع عنهم، كما استقبل صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، وأنزلهم في المسجد، وأشرف بنفسه على خدمتهم وضيافتهم، ثم سار الخلفاء والمسلمون من بعده على هذا النهج، حتى أصبحت الحضارة الإسلامية نموذجًا فريدًا في التعايش الديني والإنساني. ومن صور هذا التسامح أن كثيرًا من الكنائس كان يصلي فيها المسلمون والمسيحيون في أوقات مختلفة، وأن الوظائف في الدولة كانت تُسند إلى أصحاب الكفاءة والاستحقاق بعيدًا عن الدين أو العقيدة، وأن أبناء المجتمع كانوا يتشاركون الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، فيحرص كل طرف على مشاركة الآخر أفراحه، مؤكدًا أن هذه المظاهر ما زالت ماثلة في حضارتنا إلى اليوم، التزامًا بتعاليم الدين، وانتماءً للوطن، وإخلاصًا له.
إرساء ثقافة السلام والتسامح وتعزيز التعايش بين الشعوب
وأكد أن إرساء ثقافة السلام والتسامح وتعزيز التعايش بين الشعوب يحظى بعناية كبيرة من الدولة المصرية، التي أولت هذا الملف اهتمامًا بالغًا، انطلاقًا من إيمانها بأن مواجهة التطرف لا تكون إلا بالفكر الرشيد، والحوار البنَّاء، وترسيخ قيم الاعتدال، وفي هذا الإطار أُنشئت الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم لتكون منصةً دولية لتنسيق جهود مؤسسات الإفتاء، والتصدي للفتاوى الشاذة والمتطرفة التي تثير الفرقة وتغذي الصراعات، ونشر منهج الإفتاء الرشيد القائم على الوسطية والاعتدال، موضحًا أن الأمانة العامة تضم تحت مظلتها عددًا من المبادرات والمراكز العلمية المتخصصة، من أبرزها مركز سلام لدراسات التطرف، ومركز الإمام الليث بن سعد لفقه التعايش، ووحدة حوار، والمؤشر العالمي للفتوى، بما يعكس رؤيتها الشاملة في تعزيز ثقافة السلام، وترسيخ قيم التعايش، ومواجهة الفكر المتطرف على المستويين العلمي والدولي.
ضرورة تجلية جوانب التسامح والسلام والرحمة في الحضارة الإسلامية
وفي ختام كلمته دعا مفتي الجمهورية إلى ضرورة تجلية جوانب التسامح والسلام والرحمة في الحضارة الإسلامية بكل الوسائل الممكنة، وإبرازها للعالم باعتبارها قيمًا أصيلة قامت عليها هذه الحضارة في عقيدتها وتشريعها وسلوكها، ولم تكن يومًا شعارات تُرفع أو مبادئ تُستدعى عند الحاجة، وإنما كانت واقعًا عاشه الإنسان في ظل الحضارة الإسلامية قرونًا طويلة، فالحاجة إلى بيان هذه الحقيقة تزداد في ظل ما يشهده العالم من صور صارخة للعدوان وانتهاك الكرامة الإنسانية.
مفتي الجمهورية: الممارسات الصهيونية في فلسطين المحتلة لم تعرف معنى الرحمة
وأكد أن الممارسات الصهيونية في فلسطين المحتلة تكشف نقيض هذه القيم، إذ لم تعرف معنى الرحمة، ولا احترمت حق الإنسان في الحياة، وإنما مارست شتى أنواع القتل والإبادة والتجويع والتهجير والتدمير بحق الشعب الفلسطيني صاحب الحق والأرض، في انتهاك صارخ للمبادئ الدينية والقيم الإنسانية والمواثيق الدولية.
وشدد على أن الواجب الأخلاقي والإنساني يحتِّم على أصحاب الضمائر الحية الوقوف إلى جانب الحق، والعمل على وقف هذا العدوان، وإنصاف أصحاب الحقوق، وإعلاء قيم العدل والسلام التي لا يستقيم عمران الأرض إلا بها.



