رئيس التحرير
عصام كامل

مفتي الجمهورية: استهداف الدين واللغة والتاريخ والوطن أخطر صور العبث بالهوية الوطنية

الدكتور نظير عياد
الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية
18 حجم الخط

أكد أ. د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم أن الحديث عن نشر الوعي وتصحيح المفاهيم أصبح ضرورة ملحة تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة وما يشهده العالم من تحولات متسارعة وصراعات فكرية وثقافية متشابكة تسعى بعض القوى من خلالها إلى فرض رؤيتها وهيمنتها على الآخرين تحت شعارات ومفاهيم مختلفة.

الواقع المعاصر أفرز العديد من الفتن والاضطرابات وأسهم في انتشار جملة من المفاهيم المغلوطة

وأكد أن الواقع المعاصر أفرز العديد من الفتن والاضطرابات وأسهم في انتشار جملة من المفاهيم المغلوطة التي مسّت الدين والوطن والإنسان والقيم والأخلاق والسلوك العام حيث تحولت بعض المنصات الحديثة إلى أدوات للتلاعب بالنصوص الدين وأحكامه ومقاصده الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على سلوكيات بعض الأفراد ومواقفهم تجاه منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع.

محاضرة  «توجه الدولة الحديثة في نشر الوعي والفكر الوسطي للقضاء على المفاهيم الخاطئة»

جاء ذلك خلال محاضرة بعنوان «توجه الدولة الحديثة في نشر الوعي والفكر الوسطي للقضاء على المفاهيم الخاطئة» بـ جامعة العريش بحضور الدكتور أيمن الشبيني رئيس الجامعة ونواب رئيس الجامعة وعمداء ووكلاء الكليات وعدد من أعضاء هيئة التدريس وجمع من الطلاب والطالبات.

 

مفتي الجمهورية: أصبح الاحترام في نظر البعض دليلًا على الضعف وأضحى الاحتشام صورة من صور التخلف

ولفت مفتي الجمهورية إلى أن الخلل  امتد إلى منظومة القيم والأخلاق فأصبح الاحترام في نظر البعض دليلًا على الضعف وأضحى الاحتشام صورة من صور التخلف وباتت الكلمة الطيبة نوعًا من الرجعية بينما يجري الترويج لأفكار وممارسات تتنافى مع الفضيلة والأخلاق، محذرًا من الاعتداء على الهوية الوطنية عبر نشر مفاهيم تستهدف طمس الشخصية الوطنية وإضعاف المقومات التي تميز كل أمة عن غيرها، مبينًا أن اللغة تمثل أحد أهم مكونات الهوية وأن تهميشها أو الاستهانة بها يؤدي إلى فقدان جانب أصيل من الوعي والانتماء.

حالة العزلة بين الإنسان ولغته وثقافته وتاريخه

وأشار  إلى أن من أخطر ما أفرزه الواقع المعاصر حالة العزلة بين الإنسان ولغته وثقافته وتاريخه، حتى بات الحديث باللغة العربية لدى بعض الفئات يوحي بالدونية أو التخلف في حين أصبح الأبناء يتحدثون خليطًا من اللغات يفقدهم كثيرًا من الخصوصية الثقافية والهوية الحضارية، منبهًا إلى خطورة الاستهزاء بالتاريخ والتقليل من شأن التراث والمنجزات الحضارية للأمم، حيث إن الأمم الحية تنظر إلى تاريخها باعتباره ركيزة أساسية لبناء المستقبل وأن التفريط في هذا الإرث الحضاري ينعكس سلبًا على قدرة المجتمعات على التقدم والنهضة.

مفتي الجمهورية: الوطن يمثل مكونًا رئيسًا من مكونات الهوية يستوجب الحفاظ عليه والدفاع عنه

وأوضح مفتي الجمهورية أن الوطن يمثل مكونًا رئيسًا من مكونات الهوية يستوجب الحفاظ عليه والدفاع عنه بالمال والنفس والعمل والبناء، محذرًا من المفاهيم الهدامة التي ظهرت في إطار ما يعرف بالفوضى الخلاقة والتي سعت إلى تشويه صورة الدولة الوطنية والتقليل من مؤسساتها وإضعاف الثقة فيها، مبينًا أن الدين يمثل الإطار الجامع الذي ينظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره من البشر وبالكون من حوله وأن الرسالات السماوية جاءت لترسيخ هذه المعاني وإقامة التوازن في حياة الإنسان.

وشدد على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب عملًا فكريًا وعلميًا ودينيًا جادًا في ظل الانتشار الواسع للمعلومات غير الموثقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن هذه الوسائل رغم ما توفره من إمكانات كبيرة قد تتحول إلى أدوات لنشر الشائعات وتزييف الوعي إذا غابت عنها الضوابط والمعايير العلمية، داعيًا إلى تكاتف المؤسسات التعليمية والثقافية والتربوية والشبابية والاجتماعية من أجل إعادة بناء الإنسان وتوجيهه نحو الفهم الصحيح للدين والوطن والتاريخ والقيم والأخلاق بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والبناء ويحول دون انتشار الانحراف الفكري والسلوكي الذي يقود إلى التخلف والتراجع.

جهود الدولة المصرية ومؤسساتها المختلفة في رفع مستوى الوعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة

كما أشاد مفتي الجمهورية بجهود الدولة المصرية ومؤسساتها المختلفة في رفع مستوى الوعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة وترسيخ الفطرة السليمة لدى الأفراد، موضحًا أن بناء الإنسان عملية متكاملة تشمل الجوانب العقدية والروحية والأخلاقية والنفسية والبدنية، مؤكدا أهمية تزكية النفس وتقويم السلوك، مشيرا إلى ضرورة الاهتمام بالصحة العامة ومحاربة المخدرات وكل ما يهدد سلامة العقل والبدن انطلاقًا من أن الإنسان لا يستطيع أداء دوره الحضاري والإنساني إلا إذا تمتعت شخصيته بالتوازن والاستقامة.

وحذر مفتي الجمهورية من بعض الاتجاهات التي تسعى إلى تفريغ الدين من مضمونه وأحكامه بدعوى التيسير أو التسامح، مؤكدًا أن سماحة الإسلام ورحمته لا تعنيان إلغاء الضوابط والأحكام أو تجاوز الثوابت الشرعية بل إن الرحمة نفسها تقوم على قواعد تحقق مصالح الناس وتحفظ النظام العام وتصون الحقوق والحرمات.

أهمية إعمال العقل والتثبت من المعلومات قبل تداولها

واختتم محاضرته بالتأكيد على أهمية إعمال العقل والتثبت من المعلومات قبل تداولها لما قد يترتب على الشائعات والأخبار الكاذبة من أضرار جسيمة تمس الأفراد والمجتمعات وتنال من الأعراض والحرمات وتؤدي إلى تفكك المجتمعات وضياع الثقة بين أبنائها، منوهًا بالدور الذي تقوم به المراكز العلمية والأكاديمية في تصحيح المفاهيم ومواجهة الانحرافات الفكرية، ومنها جهود دار الإفتاء المصرية ومراكزها المختلفة كمركز حوار ومركز الإرشاد الأسري وإدارة فض النزاع ومركز سلام لدراسات التطرف وما تقوم به من برامج ومبادرات وشراكات مع الجامعات والمؤسسات التعليمية بهدف تعزيز التفكير النقدي ونشر الوعي الرشيد وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال بما يحقق المصلحة العامة ويخدم الوطن والمجتمع.

من جانبه، أعرب الأستاذ الدكتور أيمن الشبيني، رئيس جامعة العريش، عن بالغ سعادته بزيارة  مفتي الجمهورية، مؤكدًا أن الجامعة تحرص على تنظيم الفعاليات العلمية والفكرية التي تسهم في بناء وعي الشباب وتعزيز انتمائهم الوطني وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، مشيرًا إلى أن ما طرحه  المفتي خلال المحاضرة من رؤى وأفكار يعكس أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات الدينية والعلمية في مواجهة الأفكار المغلوطة والتحديات الفكرية المعاصرة، مثمنًا جهود دار الإفتاء المصرية في نشر الوعي الرشيد وتصحيح المفاهيم وبناء الإنسان على أسس علمية وأخلاقية سليمة، بما يدعم مسيرة التنمية ويحافظ على أمن المجتمع واستقراره.

الجريدة الرسمية