رئيس التحرير
عصام كامل

يوم الرجيع، أزمات واجهها المسلمون بعد "أُحد"، ولماذا شُرعت صلاة الطالب والمطلوب؟

يوم الرجيع، فيتو
يوم الرجيع، فيتو
18 حجم الخط

يوم الرجيع، واجه المسلمون أزمات عاتية بعد غزوة أُحد، كادت أن تأتي على ذلك الصرح الذي أقامه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان للمسلمين بعد بدر السيطرة الكاملة والسيادة، أما بعد غزوة أُحد فالسيطرة لقريش وأعوانهم، وصدق قوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، فإن تداول القوة من السنن الكونية.

أولا: دعوة بني أسد لحرب المسلمين

دعا بنو أسد إلى حرب المسلمين، وكان فيهم طليحة بن خويلد الأسدي، وأخذوا يتجمعون لحرب المسلمين، فبعث رسول الله سرية بقيادة أبي سلمة، ونجحت في تشتيت تجمُّع بني أسد في المحرم 4هـ.

ثانيا: تجمع هُذيل

وأخذ  خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يجمِّع قبائل هذيل لحرب المسلمين، وكان هذا الرجل من أشرس المقاتلين العرب وأشدهم؛ فبعث رسول الله  إلى الصحابي الجليل عبد الله بن أُنَيْس لكي يقتل هذا الرجل.

 ويقول عبد الله بن أنيس: دعاني رسول الله فقال: "إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِيَ النَّاسَ لِيَغْزُونِي، وَهُوَ بِعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ". قال: قلت: يا رسول الله، انعتْهُ لي حتى أعرفه. قال: "إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ قُشَعْرِيرَةَ".

 قال: فخرجتُ متوشحًا سيفي حتى وقعتُ عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلًا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدتُ ما وصف لي رسول الله من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيتُ أن يكون بيني وبينه مُجَاولة تشغلني عن الصلاة، فصليتُ وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي للركوع والسجود.

أقرَّ الرسول ما فعل عبد الله بن أنيس، وشُرِعت صلاة الطالب والمطلوب بالطريقة التي فعلها عبد الله بن أنيس. يقول عبد الله بن أنيس: فلما انتهيت إليه قال: مَنِ الرجل؟

قلت: رجلٌ من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك.

قال: أَجَلْ، أنا في ذلك.

قال: فمشيتُ معه شيئًا حتى إذا أمكنني الله منه حملتُ عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجتُ وتركتُ ظعائنه مُنْكَبَّات عليه؛ فلما قدمت على رسول الله  فرآني، قال: "أَفْلَحَ الْوَجْهُ". قال: قلت: قتلته يا رسول الله. قال: "صَدَقْتَ". قال: ثم قام معي رسول الله، فدخل في بيته، فأعطاني عصًا، فقال: "أمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ أُنَيْسٍ". قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله، وأمرني أن أمسكها. قالوا: أوَلا ترجع إلى رسول الله  فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعتُ إلى رسول الله، فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: "آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ يَوْمَئِذٍ". قال: فقَرَنَها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضُمَّتْ في كفنه ثم دُفِنا جميعًا.

هاتان أزمتان مر بهما المسلمون، وقد نجح رسول الله  في التخطيط للقضاء عليهما، وهذا من ذكاء الرسول، وخرج المسلمون من هاتين الأزمتين بسلام، أما الأزمة التالية فلم يسلم منهما المسلمون؛ وهما بعث الرجيع، وبئر معونة.

ثالثا: يوم الرجيع

كان ذلك في صفر من السنة الرابعة من الهجرة، وسبب هذا البعث أن بني لحيان من هُذيل مشوا إلى عَضَلٍ والقَارَةِ - وهما قبيلتان من بني الهَوْن - على أن يكلموا رسول الله أن يخرج إليهم نفرًا من أصحابه؛ فقدم نفر منهم فقالوا: "يا رسول الله، إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك؛ يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام". فلما جاء هؤلاء النفر يطلبون من يفقههم، بعث الرسول  معهم عشرة من أصحابه، وأَمَّر عليهم عاصم بن ثابت.

يوم الرجيع، خرج هؤلاء حتى أتوا الرجيع فغدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلًا ليعينوهم على قتلهم، فلم يَرُع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، فأخذ عاصم ومن معه أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: "إنا والله لا نريد قتلكم، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم". وقالوا ذلك لأنهم يريدون أن يُسلِموهم لكفار قريش، ويُصيبوا بذلك مالًا؛ لعلمهم أنه لا شيء أحب إلى قريش من أن يأتوا بأحدٍ من أصحاب محمد يمثِّلون به، ويقتلونه بمن قُتل منهم ببدر وأُحد، فأبوا أن يقبلوا منهم.

مقتل 10 من الصحابة 

فرفض عاصم بن ثابت ذلك، وقال: "والله لا نقبل من مشرك عهدًا". وقاتلوا حتى قتلوا، فقتل سبعة من صحابة رسول الله؛ منهم عاصم بن ثابت، وأما زيد بن الدَّثِنَة وخُبَيب بن عديّ وعبد الله بن طارق فلانُوا ورقُّوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظَّهْران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران. 

وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما، فابتاع خبيبًا حُجَيْرُ بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان حجير أخًا للحارث بن عامر لأمِّه ليقتله بأبيه.

وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وكان شراؤهما في ذي القعدة، فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم فقتلوا زيدًا، وأما خبيب فمكث أسيرًا حتى خرجت الأشهر الحرم ثم أجمعوا على قتله، وكانوا في أول الأمر أساءوا إليه في حبسه، فقال لهم: "ما يصنع القوم الكرام هكذا بأسيرهم".

 فأحسنوا إليه بعد ذلك وجعلوه عند امرأة تحرسه وهي ماوِيَّة مولاة حجير، وقد قالت ماوية: "كان خبيب يتهجد بالقرآن، فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه". 

فقلت له: "هل لك من حاجة؟" قال: "لا، إلا أن تسقيني العذب، ولا تطعميني ما ذُبح على النصب، وتُخبِريني إذا أرادوا قتلي". فلما أرادوا ذلك أخبرته، فوالله ما اكترث بذلك.

 

صلاة الطالب والمطلوب

 

ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: دعوني أُصلِّي ركعتين. فتركوه فصلى سجدتين، فجَرَتْ سُنَّة لمن قُتل صَبْرًا أن يصلي ركعتين. 

ثم قال خبيب: لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدتُ. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبقِ منهم أحدًا، ثم أنشأ يقول:

ولستُ أبالي حين أقتـل مسلمًا *** علـى أي جنـبٍ كـان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشــأ *** يُبارك على أوصـال شِلْوٍ مُمَــــــزَّعِ

ثم قام إليه أبو سِرْوعة عُقبة بن الحارث فقتله.

وعن عروة بن الزبير قال: "لما أرادوا قتل خبيب ووضعوا فيه السلاح والرماح والحراب، وهو مصلوب نادوه وناشدوه، أتحب أن محمدًا مكانك؟ قال: لا والله، ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه".

أما زيد بن الدثنة فقالوا له أيضًا عند قتله فأجابهم بمثل ذلك، فقال أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحُبِّ أصحاب محمد محمدًا". وقد قتلَ زيدًا نسطاسُ.

 

الجريدة الرسمية