رئيس التحرير
عصام كامل

تجنيد الحريديم يكشف عمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.. 130 ألف يهودي متشدد يتهربون من الخدمة العسكرية عبر نظام "الإنذار الأسود".. وأزمة متفاقمة تضرب جيش الاحتلال (صور)

الحريديم خلال احتجاج
الحريديم خلال احتجاج على سجن الطلاب الرافضين للتجنيد
18 حجم الخط

تشهد إسرائيل في الآونة الأخيرة تصاعدا ملحوظا في أزمة تجنيد اليهود الحريديم (اليهود المتشددين دينيا)، وسط احتجاجات ورفض متزايدين من قبل قطاعات واسعة داخل هذه الجماعة لخطط جيش الاحتلال الإسرائيلي الهادفة إلى توسيع نطاق الخدمة العسكرية الإلزامية لتشملهم بشكل أوسع. 

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الضغوط الأمنية والعسكرية التي تواجهها سلطات الاحتلال جراء عملياتها العسكرية في العديد من الجبهات القتالية، ما يضع ملف التجنيد في قلب جدل سياسي ومجتمعي متصاعد. 

وبحسب تقرير نشرته مجلة "972+" الإسرائيلية ذات التوجهات اليسارية، فإن "مسألة تجنيد الحريديم لم تعد مجرد خلاف ديني أو فقهي يتعلق بموقفهم التقليدي الرافض للخدمة العسكرية، بل تحولت إلى قضية سياسية واجتماعية تعكس عمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي حول طبيعة الدولة ودور الجيش فيها، ومدى إلزامية تقاسم العبء العسكري بين مختلف الفئات الإسرائيلية".

الشرطة الإسرائيلية تعتقل متشددين دينيا تظاهروا أمام منزل قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرج
الشرطة الإسرائيلية تعتقل متشددين دينيا تظاهروا أمام منزل قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرج

ويشير التقرير إلى أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تواجه تحديات متزايدة في ظل الحاجة إلى تعزيز القوى البشرية في جيش الاحتلال، خاصة في ظل التوترات الأمنية المستمرة وتعدد الجبهات. 

وفي المقابل، يواصل الحريديم رفضهم للخدمة العسكرية، مستندين إلى اعتبارات دينية تتعلق بالحفاظ على نمط حياتهم الديني والدراسي، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر بين القيادات الدينية والمؤسسة العسكرية، بحسب مجلة "972+".

تصاعد الخطاب الرافض للتجنيد الإلزامي

يقول التقرير: إن الاحتجاجات داخل المجتمع الحريدي لم تعد محدودة، بل أصبحت أكثر تنظيما وظهورا في الشارع، مع تصاعد الخطاب الرافض للتجنيد الإلزامي واعتباره تهديدا لهوية هذا التيار الديني. وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطا داخلية من أطراف سياسية وأمنية تطالب بتوسيع قاعدة التجنيد لتلبية الاحتياجات المتزايدة لجيش الاحتلال.

أعضاء في الكنيست يؤيدون حق الحريديم في الامتناع عن التجنيد
أعضاء في الكنيست يؤيدون حق الحريديم في الامتناع عن التجنيد

ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تعكس تحديا بنيويا يواجه الدولة الإسرائيلية منذ سنوات، يتمثل في التوازن بين الطابع الديني لبعض مكوناتها وبين متطلبات الدولة القائمة على الخدمة العسكرية الشاملة. 

التجنيد الإلزامي ورقة انتخابية

وبحسب التقرير، فإن استمرار هذا الخلاف قد يؤدي إلى مزيد من التوترات السياسية داخل الائتلاف الحكومي، خصوصا مع اعتماد بعض الأحزاب على دعم التيارات الحريدية، مع بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في سبتمبر أو أكتوبر القادمين.

ويضيف: في ظل هذه التطورات، يبدو أن أزمة التجنيد مرشحة للتصاعد خلال الفترة المقبلة، مع غياب حلول توافقية حتى الآن، واستمرار تباين المواقف بين المؤسسة السياسية والدينية والعسكرية، ما يجعلها واحدة من أكثر القضايا حساسية في الداخل الإسرائيلي حاليا.

متشددون يغلقون طريقا خلال احتجاج على سجن طلاب المدارس الدينية الذين لم يمتثلوا لأوامر التجنيد الإلزامي
متشددون يغلقون طريقا خلال احتجاج على سجن طلاب المدارس الدينية الذين لم يمتثلوا لأوامر التجنيد الإلزامي

وفي تقارير إعلامية سابقة، حاول عشرات الحريديم اقتحام منزل قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرج في مستوطنة ألون شفوت بالضفة الغربية المحتلة ليلا. وقاموا بتخريب مدخل المبنى، وكسروا النوافذ، وألحقوا أضرارا بسيارة سولبرج المتوقفة، فيما ألقت الشرطة القبض لاحقا على أكثر من 60 منهم.

وجاءت المظاهرات ردا على قراره بزيادة اعتقالات المتهربين من التجنيد الإلزامي، ما جعله هدفا للناشطين الحريديم، وفق مجلة "972+".

أزمة تتفاقم عبر عقود

ويقول التقرير: لطالما عانت إسرائيل من أزمة رفض التجنيد الإلزامي بين اليهود الحريديم منذ عام 1948؛ حيث حصل قادة المعاهد الدينية اليهودية (يشيفا) على أوامر بإعفاء طلابهم من التجنيد. 

وطوال خمسينيات القرن الماضي، نظم الحريديم مظاهرات ضد تجنيد النساء في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بينما تزايد إعفاء الرجال الحريديم الدارسين في المعاهد الدينية اليهودية بشكل مطرد من 400 في عام 1948 إلى 800 في عام 1967، بحسب مجلة "972+".

وتضيف: حتى ثمانينيات القرن الماضي، كانت نسبة الحريديم المجندين في الجيش لا تزال تقارب نسبتهم في السكان الذكور. ولكن في عام 1977، عندما وصل اليمين إلى السلطة برئاسة رئيس الوزراء مناحم بيجن، عادت الأحزاب الحريدية إلى الائتلاف الحاكم بعد عقود من المعارضة، ودعا حاخامات الحريديم، خلال مناقشات تشكيل الائتلاف، إلى إعفاء كامل وغير مقيد لكل من يعتبر دراسة التوراة مهنته.

إنذار أسود على وقع الانتخابات

ويقول التقرير: في الحملات الانتخابية المقبلة، ستكون مسألة الخدمة العسكرية الإلزامية، وتحديدا تجنيد اليهود المتشددين، من أكثر القضايا إثارة للجدل، وقد تفوق أهميتها عملية طوفات الأقصى في 7 أكتوبر 2023، ونتائج حرب غزة، واستبعاد إسرائيل من الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير.

130 ألف يحتمون بخط
130 ألف يحتمون بخط "الإنذار الأسود" للتهرب من التجنيد

وتضيف مجلة "972+": مع اتضاح أن عشرات الآلاف من اليهود الحريديم قد يواجهون الاعتقال قريبا، تم إنشاء نظام هاتفي يسمى "الإنذار الأسود". وهو نظام مستوحى من نظام الإنذار الصاروخي الإسرائيلي؛ حيث يبلغ المشتركين عند احتجاز أي شخص متهرب من التجنيد من قبل الشرطة العسكرية.

وفي غضون أشهر، انضم العديد من اليهود المتشددين إلى هذه الخدمة. واليوم، يضم اثنان من أكبر خطوط التنبيه أكثر من 130 ألف مشترك مسجل. عند إطلاق التنبيه، يندفع مئات أو آلاف المتظاهرين إلى مكان الحادث في غضون دقائق، ويحاصرون سيارة الشرطة، ويسحبون المحتجز منها. وقد أصبحت هذه الممارسة فعالة للغاية لدرجة أن العديد من ضباط الشرطة يخشون اعتقال اليهود المتشددين المتهربين من التجنيد.

يقف وراء خط "الإنذار الأسود" جماعة "فصيل القدس"، وهي جماعة يهودية حريدية متطرفة ومعارضة بشدة للخدمة العسكرية في إسرائيل، وتنظم هذه الجماعة احتجاجات واسعة النطاق تشل حركة المرور وتقود حملات منظمة لمساعدة الشباب الأرثوذكسي المتشدد (الحريديم) على التهرب من التجنيد.

الجريدة الرسمية