رئيس التحرير
عصام كامل

الفن وسنينه

نور الشريف.. سر القنبلة الزمنية في مسرح جلال الشرقاوي!

18 حجم الخط

لا شك أن مصرنا الحبيبة المحروسة عانت واكتوت لعقود وسنوات طويلة من شبح وحش كاسر لا يرحم، إسمه الإرهاب، ودفعت ثمنا غاليا له من أرواح الأبرياء، من شهداء الشرطة والجيش والشعب، خاصة منذ أحداث يناير 2011 وما تلاها، وثورة 30يونيو 2013 التي سوف نحتفل بذكراها بعد أيام قلائل..

قبل أن تنتفض بكل طوائفها وتنتصر على هذا الوحش ويكتب لها الله السلامة والأمن والامان، كذلك عانت ومازالت من الذين يتاجرون بالدين بشعاراتهم البراقة التي يراد بها الباطل، وممن يتلاعبون بأقوات الناس وأرزاقهم خاصة في ظل الظروف الصعبة والاستثنائية التي نعيشها منذ يناير 2011.

وفي هذا الإطار والمضمون أتذكر معكم حكاية غير تقليدية خصني بها صديقي الفنان العملاق الراحل نور الشريف، تكشف هذه المخططات التي تعرضت لها مصر وتعكس مدى التزام هذا الفنان المختلف بقضايا وهموم ومشاكل ومجتمعه وإصراره على طرحها وتناولها مهما تعرض له من أخطار وتبعات.

 المليم بأربعة 

وسأروي هذه الحكاية كما حكاها لي نور الشريف قائلًا:
المليم بأربعة.. هو إسم مسرحية من تأليف أبو العلا السلاموني ومن إنتاج وإخراج أستاذي ومعلمي جلال الشرقاوي، وكانت تعرض على مسرح الفن بوسط القاهرة “مسرح جلال الشرقاوي” عام 1990، شاركني بطولتها نورا ومحمود الجندي وعدد من نجوم وشباب المسرح.. 

 

حققت المسرحية نجاحا كبيرا، لأن موضوعها كان موضوع الساعة وهو شركات توظيف الأموال، التي ابتلعت معظم السيولة من أموال المصريين وقتها، الذين طمعوا في فوائد وأرباح مغرية لا يمكن لأي بنك أن يدفعها، ولا أي تجارة ممكن أن تحققها.

 

وكانت الشخصية التي أمثلها في المشاهد الأولى لشخص اسمه: علي بومبة، والإسم يكشف طبيعتها بوضوح، يجيد تماما لعب ال 3 ورقات  والنصب في الموالد، وعندما بدأت شركات توظيف الأموال تعلن عن نفسها، أصبح 'بومبة' ورفاقه أصحاب لإحداها، مستغلين طمع كثير من الناس في الحصول على أرباح غير مسبوقة.


وفي رأيي أن أخطر ما قامت به هذه الشركات هو رفع أسعار كثير من السلع وأثرت بشدة في اقتصاد البلد، باحتكار إنتاج عدد كبير من المصانع، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، قامت إحدى شركات توظيف الأموال في الحقيقة وليس في العرض المسرحي، قامت بشراء إنتاج مصنع سيارات بالكامل مما قفز بسعر السيارة التي كانت تنتجها وتبيعها نقدا ب 11 ألف جنيه إلى 56 ألف جنيه بالتقسيط على 5 سنوات! ولكم أن تتخيلوا ماذا حدث في باقي السلع.

وللحقيقة أن وسائل الإعلام المختلفة روجت وساهمت بقوة عن وعي أو بدونه، في أن يصدق الناس خاصةً الغلابة منهم هذه الشركات وحلال الفوائد المرتفعة التي يحصلون عليها منها !.

قنبلة زمنية

وفوجئت بعد شهرين تقريبا من العرض بالأستاذ جلال الشرقاوي يتصل بي ويطلب رؤيتي ضروري فشعرت بالقلق فذهبت إليه على الفور، فإذا به يفجر مفاجأة مثيرة ويخبرني بأنه تلقى اتصالًا تليفونيا من مجهول يعلمه بأنه قد تم وضع قنبلة زمنية في المسرح.. 

 

وظننا في البداية أنها مزحة ثقيلة ولكن قررنا إبلاغ أجهزة الأمن من باب الاحتياط، ولما جاءوا وجدوا بالفعل قنبلة في أحد الأماكن الخفية بالمسرح وتم إبطال مفعولها. وعندئذ سألني الأستاذ جلال قائلًا: تحب نكمل العرض ولا نوقفه بأي جحة والسلام؟ فأجابته دون تردد أنني مصر على استمرار العرض ورجوته تكتم الأمر وعدم إبلاغ العاملين بالعرض به حتى لا نثير فزعهم ورعبهم.


وفي مساء نفس اليوم.. كنت أقف على خشبة المسرح وكلي توتر وقلق ولفت نظري وجود رجل من جمهور الحاضرين ينظر إلى من خلف نظارته السوداء ويتابعني برأسه وذفنه الغريبة، وفجأة دوى صوت انفجار مرعب سبب الهلع والهرج والمرج بالمسرح لدقائق معدودة  قبل أن يتبين أنه يعود لانفجار أحد بروجكتورات العرض.


وكانت غرفة الزميل والصديق العزيز الفنان محمود الجندي في الدور الثاني من المسرح، تطل على الطريق العلوي من كوبري أكتوبر المتجه إلى ميدان رمسيس، وقد بدى لي أن الأستاذ جلال الشرقاوي أبلغه بموضوع القنبلة، لأنني فوجئت به في الكواليس يشير إلى برعب وتوتر.. 

 

وعندما خرجت إليه أخبرني أنه شاهد إثنين من الرجال الملتحيين فوق موتوسيكل يقفان أعلى الكوبري وينظران إلى المسرح، فطلبت منه إبلاغ الأستاذ جلال حتى وإن كان من الصعب جدا الوصول إليهما وإمساكهما لأن ذلك يتطلب الرجوع إلى ميدان عبد المنعم رياض وصعود الكوبري للحاق بهما، وهو ما كان سيستغرق وقتا يجعلهما يفران بسرعة دون اللحاق بهما.


وعندما عدت إلى خشبة المسرح مرة أخرى كنت في قمة التوتر والاضطراب.. وأصبح أي صوت مهما كان يسبب لي رعبًا حقيقيًا، وكل ما يسألني أحد من المشاركين بالعرض عما بي أجيب: مفيش حاجة بس أنا تعبان شوية.

وتضاعف توتري عندما وجدت الرجل الملتحي ذا النظارة السوداء في الصالة مازال يتابعني برأسه في كل مكان أتحرك فيه على خشبة المسرح.

ولهذا فبمجرد انتهاء العرض وإغلاق الستار طلبت فورا من الإدارة ضرورة الإمساك بهذا الرجل وتفتيشه ومعرفة هويته ودوافعه، وعندما جاءوا به إلى غرفتي، فوجئت أكثر أنه يقترب مني بحرص ثم حضنتي ووقتها فقط اكتشفت أنه ضرير.. وهذا سبب متابعته لي برأسه على خشبة المسرح طوال الوقت.

لعن الله الإرهاب.. الذي يولد الخوف الذي يجعلنا نشك في الآخرين الذين يحبوننا بصدق.

الجريدة الرسمية