وزير التموين الأسبق د. جودة عبد الخالق لـ"فيتو": التحول للدعم النقدي يهدد الأمن القومي الغذائي.. غياب قواعد البيانات يضر الفقراء ويعمق الأزمة.. ودعم الخبز خط أحمر
في ظل الجدل المتصاعد حول توجهات الحكومة نحو التحول من منظومة الدعم العيني إلى الدعم النقدي، انتقد وزير التموين والتضامن الاجتماعي الأسبق الدكتور جودة عبد الخالق هذه التصريحات، معتبرًا أنها لا تستند إلى دراسة كافية للواقع الاقتصادي والاجتماعي.
ووصف عبد الخالق هذه الخطوة بأنها “غير مدروسة” وقد تُشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الغذائي، في ظل غياب ضمانات حقيقية لحماية الفئات الأكثر احتياجًا من تداعيات ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، يفتح الحوار التالي ملف الدعم من زوايا متعددة، تتراوح بين العدالة الاجتماعية وكفاءة الإنفاق العام، وبين مخاوف التضخم وغياب قواعد البيانات الدقيقة، وصولًا إلى مستقبل منظومة الحماية الاجتماعية في مصر.
في البداية.. لماذا تصر الحكومة على تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي؟
الإجابة هنا يمكن اعتبارها في إطار “التخمين التحليلي” في ظل غياب تفاصيل تنفيذية كافية، لكن الخطاب الحكومي المعلن يؤكد أنها لا تستهدف تقليص الدعم أو رفعه، وإنما تسعى إلى ضمان وصوله إلى مستحقيه الفعليين.
بمعنى أن الدولة ترى أن منظومة الدعم الحالية بها خلل في التوزيع، حيث توجد فئات لا تحصل على الدعم رغم استحقاقها، وفي المقابل تحصل فئات أخرى على دعم لا تستحقه، وهو ما يدفع نحو التفكير في التحول إلى الدعم النقدي باعتباره أكثر دقة في الاستهداف.
لكن في المقابل، يجب إعادة طرح سؤال جوهري: ما المقصود الحقيقي بالدعم؟ وهل هو مجرد تحويل مالي، أم سياسة حماية اجتماعية شاملة للفئات الأكثر احتياجًا؟
هل هناك مخاوف من هذا التحول في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؟
بالتأكيد هناك مخاوف حقيقية، لأن أي تحول جذري في منظومة الدعم يجب أن يُدرس بعناية شديدة، خاصة في ظل الضغوط المعيشية الحالية على المواطنين.
ويجب التنبيه إلى ضرورة عدم تكرار أخطاء الماضي أو الدخول في مسارات قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، خصوصًا مع ارتفاع معدلات الفقر وتزايد أعباء المعيشة مقارنة بسنوات سابقة، ما يجعل أي قرار اقتصادي كبير أكثر حساسية وتأثيرًا.
كما أن التجارب الاقتصادية خلال السنوات الماضية، ومنها تحرير سعر الصرف وما تبعه من موجات تضخم، إضافة إلى الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة والخدمات الأساسية، كلها عوامل أدت إلى زيادة الضغط على المواطنين بشكل ملحوظ.
ما الرسالة التي توجهها في هذا السياق؟
الرسالة الأساسية هي ضرورة التروي الشديد في مسألة التحول نحو الدعم النقدي، لأن هذا النوع من الدعم لا يمكن أن ينجح دون توافر مقومات أساسية لم تكتمل بعد.
وفي مقدمة هذه المقومات وجود آلية فعالة لضبط الأسواق والأسعار، حتى لا يتحول الدعم النقدي إلى عبء يتم امتصاصه بالكامل عبر موجات ارتفاع الأسعار.
كما أن أي إصلاح في منظومة الدعم يجب أن يوازن بين هدف الوصول إلى المستحقين، وبين حماية الفئات الأكثر هشاشة، حتى لا تفقد الدولة وظيفة الدعم الأساسية كأداة للحماية الاجتماعية والاستقرار.
ما علاقة التضخم برغبة الحكومة في التحول إلى الدعم النقدي؟
هناك علاقة مباشرة بين ملف التضخم والتحول نحو الدعم النقدي، من وجهة النظر النقدية المطروحة، حيث إن أي انتقال من الدعم العيني إلى النقدي قد ينعكس على مستوى الأسعار في السوق.
فالدعم العيني يعني أن الدولة تتدخل مباشرة لتوفير سلع أساسية مثل الخبز والزيوت والسكر بأسعار مدعومة، بينما التحول إلى الدعم النقدي يعني خروج الدولة من التدخل المباشر في توفير السلعة، والاكتفاء بمنح المواطن قيمة مالية ليشتري بها من السوق الحر.
وهنا تكمن الإشكالية، لأن التسعير في هذه الحالة يصبح خاضعًا لقوى السوق، أي التجار واتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات، وهو ما يعني عمليًا زيادة مساحة تأثير القطاع الخاص في تحديد الأسعار، بما قد يفتح الباب أمام موجات تضخم جديدة، خصوصًا في السلع الأساسية.
هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة الأسعار بشكل مباشر؟
من الناحية الاقتصادية، هناك تخوف حقيقي من أن يؤدي التحول السريع إلى الدعم النقدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مثل الخبز والسكر والزيوت، نتيجة تراجع تدخل الدولة المباشر في التسعير والتوزيع.
فالمنظور المطروح يرى أن التحكم في الأسعار في ظل الدعم النقدي سيكون محدودًا، وأن آليات السوق قد تدفع نحو زيادات سعرية يصعب السيطرة عليها في ظل غياب رقابة فعالة، وهو ما قد يفاقم معدلات التضخم القائمة بالفعل.
وما حجم بند الدعم في الموازنة العامة وما دلالته؟
تشير البيانات إلى أن بند “الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية” في الموازنة العامة للدولة يصل إلى نحو 832 مليار جنيه، وهو ما يمثل نسبة تقارب 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن هذا المبلغ، يخصص حوالي 180 مليار جنيه لدعم الخبز والسلع التموينية، منها نحو 140 مليار جنيه للخبز وحده، والباقي لدعم السلع التموينية وتغذية المدارس.
لكن في المقابل، يلاحظ وجود بنود أخرى داخل الدعم، مثل دعم تنشيط الصادرات الذي يصل إلى نحو 48 مليار جنيه، ودعم السكك الحديدية والمزارعين في الريف، مع وجود تفاوت كبير في حجم المخصصات بين القطاعات المختلفة، ما يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام.
هل هناك ملاحظات على إدارة ملف الموازنة؟
من زاوية نقدية، يطرح البعض تساؤلات حول آليات إعداد ومناقشة الموازنة العامة، خاصة فيما يتعلق بمدى إتاحتها للنقاش البرلماني في التوقيتات الدستورية.
ويُشار إلى أن الدستور يلزم الحكومة بتقديم مشروع الموازنة العامة قبل 90 يومًا من بداية السنة المالية، وهو ما يثير نقاشًا حول مدى الالتزام بهذه المدد في بعض الحالات، وتأثير ذلك على عمق المناقشات البرلمانية وفرص التدقيق في بنود الإنفاق العام بشكل كافٍ.
وبالتالي، فإن جوهر الإشكالية لا يتعلق فقط بشكل الدعم، بل أيضًا بآليات إدارة المالية العامة ودرجة الشفافية والمشاركة في مناقشة أولويات الإنفاق.
ما رأيك في الطريقة التي تدير بها الحكومة ملف الدعم؟
يمكن القول إن هناك انتقادات حادة لطريقة إدارة ملف الدعم، تقوم على أن الحكومة تربط بشكل مباشر بين ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف الإنتاج، إلا أن الإشكالية المطروحة أن مبررات ارتفاع التكلفة نفسها ليست واضحة بالشكل الكافي.
ففي بعض التحليلات يُشار إلى أن جزءًا كبيرًا من التكلفة في السوق المحلي أصبح مرتبطًا بسعر صرف الدولار مقابل الجنيه، وبالتالي فإن أي انخفاض في قيمة العملة المحلية ينعكس تلقائيًا على الأسعار، سواء في الوقود أو السلع أو مدخلات الإنتاج.
لكن الإشكال هنا أن اعتبار تغيير سعر الصرف وحده عنصرًا في “التكلفة الإنتاجية” محل نقاش، لأن هناك من يرى أن هذه العلاقة تُستخدم أحيانًا كمبرر عام لرفع الأسعار دون تفصيل دقيق لبقية عناصر التكلفة الحقيقية.
وماذا عن ملف الطاقة والكهرباء تحديدًا؟
في قطاع الطاقة، خصوصًا الكهرباء، يتم الإشارة إلى وجود آلية تسعير دورية معلنة، لكن رغم ذلك يظل المواطن في كثير من الأحيان غير مطلع على التفاصيل الدقيقة التي تفسر حركة الأسعار بشكل واضح ومفصل.
كما أن هناك انتقادات تتعلق بغياب الشفافية الكاملة في توضيح مكونات الفاتورة للمستهلك، بحيث يظل المواطن في النهاية أمام رقم نهائي للدفع دون إدراك كامل لكيفية احتسابه أو توزيع عناصره.
وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول مدى وضوح العلاقة بين الجهات القابضة والشركات التابعة وآليات تحصيل الإيرادات واحتساب الاستهلاك، بما يعكس الحاجة إلى مزيد من الشفافية في عرض البيانات وتبسيطها للرأي العام.
هل المشكلة في السياسات الاقتصادية أم في التواصل مع المواطن؟
الرأي المطروح هنا يجمع بين الجانبين؛ فهناك من يرى أن جزءًا من الإشكالية يعود إلى السياسات الاقتصادية نفسها، خاصة في طريقة تفسير ارتفاع الأسعار وربطها بشكل شبه تلقائي بعامل واحد مثل سعر الصرف.
وفي الوقت نفسه، هناك إشكالية أخرى تتعلق بضعف التواصل وشرح القرارات الاقتصادية للمواطنين بشكل واضح ومباشر، بحيث تكون هناك قدرة على فهم أسباب القرارات وليس فقط نتائجها.
كيف يمكن تلخيص تقييمك العام؟
التقييم النقدي يرى أن إدارة ملف الدعم والاقتصاد بشكل عام تعاني من قدر من عدم الوضوح في المبررات والآليات، سواء في تفسير الأسعار أو في شرح السياسات.
ومن هذا المنظور، فإن غياب الشفافية الكاملة والتفسير المفصل للقرارات الاقتصادية يؤدي إلى فجوة ثقة بين المواطن وصانع القرار، وهو ما يجعل الأثر النهائي للسياسات الاقتصادية أكثر قسوة على المواطن، بغض النظر عن النوايا المعلنة.
ما أسباب فتح ملف الدعم الآن من وجهة نظرك؟
الحكومة تطرح سببين أساسيين لفتح ملف الدعم: الأول هو تخفيف العبء على الموازنة العامة للدولة، والثاني هو تحسين وصول الدعم إلى مستحقيه عبر التحول من الدعم العيني إلى النقدي، لكن من وجهة النظر المطروحة، هذا التفسير يحتاج إلى مراجعة، لأن ملف الدعم لا يُعد السبب الرئيسي في أزمة الموازنة.
فالأرقام تشير إلى أن دعم السلع التموينية يبلغ نحو 134 مليار جنيه، منها 97 مليارًا لدعم الخبز، والباقي للزيت والسكر، وهو ما يمثل حوالي 3% فقط من إجمالي مصروفات الموازنة العامة التي تصل إلى نحو 3.8 تريليون جنيه، وبالتالي حتى في حال تخفيضه بالكامل فلن يحقق سوى وفر محدود نسبيًا.
في المقابل، نجد أن العبء الأكبر في الموازنة يتمثل في خدمة الدين وفوائده التي تصل إلى نحو 1.7 تريليون جنيه، أي ما يقارب 47% من إجمالي المصروفات، وهو ما يجعل هذا البند أكثر تأثيرًا بكثير من بند الدعم.
ومن هذا المنظور، يُطرح تساؤل حول التركيز على ملف الدعم باعتباره أداة رئيسية للإصلاح المالي، بينما توجد بنود أخرى أكثر ضخامة وتأثيرًا على هيكل الموازنة، وبالتالي فإن ربط فتح الملف فقط بهدف تخفيف العبء المالي يُنظر إليه باعتباره قراءة غير مكتملة للصورة الاقتصادية.
في ظل رؤيتك بأنه لا غنى عن الدعم العيني حاليًا، ما هي فاتورة الدعم العيني وعدد المستفيدين منها؟
فاتورة الدعم في مصر تقدر بنحو 832 مليار جنيه ضمن بند “الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية”، منها حوالي 180 مليار جنيه مخصصة لدعم الخبز والسلع التموينية، بينما تتوزع باقي المخصصات على مجالات مختلفة للدعم والخدمات.
ويستفيد من منظومة الدعم بشكل عام نحو 70 مليون مواطن، في حين يصل عدد المستفيدين من دعم رغيف الخبز وحده إلى ما يقرب من 60 مليون مواطن، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين من هذا النوع من الدعم باعتباره مرتبطًا بشكل مباشر بالأمن الغذائي للفئات الأكثر احتياجًا.
لكن في المقابل، تظل الإشكالية الأساسية من وجهة النظر المطروحة في مسألة استهداف المستحقين بدقة، حيث توجد أمثلة على حصول غير مستحقين على الدعم، مثل بعض أصحاب السيارات الفارهة الذين يستفيدون من دعم الوقود، رغم محاولات سابقة لوضع آليات مثل “كارت البنزين” لضبط الاستهلاك، إلا أن هذه الآليات لم تُطبق بالشكل الكافي.
كما أن دعم المواد البترولية يُقدّر بنحو 16 مليار جنيه، إضافة إلى نحو 5 مليارات جنيه لدعم شركات المياه، وهو ما يفتح نقاشًا حول آليات حساب التكلفة الفعلية وشفافية التسعير، ومدى دقة منظومة المراجعة الحالية.
ومن هذا المنطلق، فإن القول بأن الهدف من الدعم النقدي هو فقط وصوله إلى المستحقين محل نقاش، لأن المشكلة ليست في الفكرة بقدر ما هي في ضعف أدوات التنفيذ، ما يجعل التحول إلى الدعم النقدي مقبولًا نظريًا، لكنه مشروط بوجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة تحدد الفئات المستحقة بوضوح.
وفي غياب هذه القاعدة، تظهر مخاوف حقيقية من أن يؤدي التحول السريع إلى أضرار على بعض الفئات، خاصة مع وجود تحديات تتعلق بضعف الوعي أو عدم امتلاك بعض المواطنين لبطاقات أو بيانات رسمية مكتملة، ما يجعل ملف الدعم سواء العيني أو النقدي مرتبطًا في النهاية بقدرة الدولة على الإدارة الدقيقة وليس بنوع الدعم نفسه فقط.
لماذا ترفض التحول إلى الدعم النقدي حاليًا وتفضل الإبقاء على صورته الحالية؟
الموقف ليس رفضًا مطلقًا لفكرة الدعم النقدي، بل هو رفض للتسرع في الانتقال إليه قبل استيفاء الشروط الاقتصادية والمؤسسية اللازمة لنجاحه. فالفكرة الأساسية تقوم على أن أي تحول من الدعم العيني إلى النقدي لا يمكن أن يتم في بيئة سوق غير منضبطة، لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المواطنين بدلًا من تحسين أوضاعهم.
ويشدد هذا الطرح على أن الشرط الأهم لنجاح الدعم النقدي هو وجود قدرة حقيقية على ضبط الأسواق وكبح الممارسات الاحتكارية، بحيث لا تتحول الزيادة النقدية في يد المواطن إلى فرصة لرفع الأسعار من جانب بعض التجار أو المحتكرين.
وفي هذا السياق، يتم الإشارة إلى دور جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، باعتباره أحد الأدوات الأساسية لتنظيم السوق، مع التأكيد على ضرورة تطوير الإطار التشريعي ليشمل عقوبات رادعة، ليس فقط مالية بل أيضًا جنائية، بما يضمن ردعًا حقيقيًا للمخالفات.
كما يطرح نقد تشريعي يتعلق ببعض مواد القانون التي تمنح الوزير المختص دورًا في استكمال إجراءات التحقيق، وهو ما يُنظر إليه باعتباره ثغرة قد تفتح الباب أمام تضارب المصالح أو إبطاء إجراءات المحاسبة، وبالتالي تقليل فعالية الجهاز الرقابي.
وبناءً على ذلك، فإن الموقف الداعم للإبقاء على الدعم العيني حاليًا ينطلق من رؤية إصلاحية تدريجية، تقوم على أن الأولوية يجب أن تكون لضبط السوق أولًا، ثم الانتقال لاحقًا إلى الدعم النقدي بشكل آمن يضمن حماية الفئات الأكثر احتياجًا دون تعريضها لموجات تضخم أو استغلال سعري.
لماذا تعتبر الدعم العيني أداة أساسية لحماية الأمن القومي؟
لأن القضية في الأساس ليست اقتصادية فقط، بل هي قضية حماية اجتماعية واستقرار مجتمعي، فغياب بيانات دقيقة ومحدثة عن معدلات الفقر يزيد من خطورة أي تحول جذري في سياسات الدعم، خاصة في ظل تقديرات تشير إلى أن معدلات الفقر قد تصل إلى نحو 40% نتيجة ارتفاع التضخم، وهو مستوى مرتفع للغاية وغير مسبوق في التاريخ الاقتصادي الحديث لمصر.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الدعم العيني باعتباره أداة استقرار اجتماعي، تضمن الحد الأدنى من الحماية للفئات الأكثر احتياجًا، وتمنع حدوث اهتزازات اجتماعية حادة. فالدستور نفسه يُلزم الدولة بتحقيق العدالة والحماية الاجتماعية، وبالتالي فإن توفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة يُعد التزامًا دستوريًا بقدر ما هو سياسة اقتصادية.
كما أن هناك برامج حماية اجتماعية أخرى مثل “تكافل وكرامة”، لكنها تظل محدودة النطاق وموجهة لفئات معينة بشروط محددة، ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها لتغطية الاحتياجات الأساسية لجميع الفئات الفقيرة.
هل يمكن أن يؤدي التحول إلى الدعم النقدي في ظل غياب قواعد بيانات دقيقة إلى الإضرار بالطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل؟
نعم، لأن أي تحول دون قاعدة بيانات دقيقة وشاملة سيؤدي بالضرورة إلى مشكلتين أساسيتين: الأولى حرمان بعض المستحقين الحقيقيين من الدعم، وهو ما يمثل ظلمًا اجتماعيًا مباشرًا، والثانية حصول غير المستحقين على الدعم نتيجة قصور البيانات وضعف التحديث.
لذلك فإن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بشكل الدعم، بل بقدرة الدولة على إدارة منظومة بيانات دقيقة تضمن العدالة في التوزيع، وفي غياب ذلك يصبح التحول مخاطرة اجتماعية واقتصادية كبيرة.
هل ما يجري في ملف رفع الدعم يصب في مصلحة المواطن؟ وهل هناك بدائل؟
من وجهة النظر المطروحة، هناك بدائل اقتصادية وسياسية أكثر شمولًا من مجرد التركيز على ملف الدعم، تبدأ بإعادة النظر في إدارة الاقتصاد الكلي نفسه، بما في ذلك سياسات سعر الصرف وسعر الفائدة، وكذلك أولويات الاستيراد والاستثمار.
ففي إطار النقاشات الاقتصادية، طُرحت توصيات عديدة ضمن الحوار الوطني تتعلق بضرورة ضبط سوق الصرف وعدم تركه بالكامل لآليات غير منضبطة، إلى جانب وضع أولويات واضحة للاستيراد، بحيث تُعطى الأولوية للسلع الأساسية مثل الأدوية ومدخلات الإنتاج، مقابل تقليل أو إيقاف استيراد السلع غير الضرورية.
كما يُطرح تصور لربط الجنيه بسلة من العملات بدلًا من الاعتماد على عملة واحدة، بما يساهم في تقليل حدة التقلبات في سعر الصرف، وهو ما ينعكس بدوره على الأسعار والتضخم.
إذا كانت حجة الحكومة هي عجز الموازنة، فمن المسؤول عن هذا العجز؟
المسؤول الأول عن إدارة عجز أو فائض الموازنة العامة هو وزارة المالية، لأنها الجهة التي تحدد سياسات الإنفاق والإيرادات، بما في ذلك الضرائب والرسوم والدعم والإنفاق على القطاعات المختلفة مثل التعليم والصحة.
ومن هذا المنظور، فإن القول بأن علاج عجز الموازنة يجب أن يمر فقط عبر تقليص الدعم يُعد طرحًا غير دقيق، لأن الدعم لا يمثل سوى نحو 3% من إجمالي الإنفاق، في حين أن هناك بنودًا أخرى أكثر تأثيرًا، مثل الإنفاق الحكومي العام وخدمة الدين.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤدي إلى زيادة أعباء خدمة الدين بشكل مباشر، ما يجعل من الضروري إعادة النظر في السياسات النقدية والمالية بشكل متكامل، وليس معالجة بند واحد بمعزل عن بقية المنظومة.
وفي هذا السياق، طُرحت أيضًا فكرة وضع سقف للدين العام كأحد التوصيات الإصلاحية، وقد أُشير إلى نية تحديده عند حدود 13 تريليون جنيه، بما يعكس الحاجة إلى ضبط شامل للسياسات المالية وليس الاكتفاء بإجراءات جزئية.
نقلا عن العدد الورقي
