الاستقامة عين الكرامة
عزيزي القارئ حديثنا اليوم عن مكمن سر السعادة في الدنيا والفوز والنجاة في الآخرة، وهو عن الاستقامة، أي الاستقامة على منهج الله تعالى وهدي رسوله الكريم، عليه الصلاة والسلام وعلى آله، وهي السبيل إلى رضى الله عز وجل والقرب منه، وهي تعني عدم الحود والميل والانحراف عن الطريق السوي المعتدل..
والاستقامة عند العارفين بالله تعالى هي عين الكرامة، ولقد حث الله تعالى عليها وأمر بها وكذا الرسول الكريم، حتى أنه لما سئل عن قول في الإسلام يستغني به صاحبه في أمر عبادته لله وصحة وكمال دينه، أجاب بقوله: (قل ربي الله ثم استقم)، وفي رواية (قل آمنت بالله ثم استقم)..
هذا ولفظ الإستقامة يقال في الطريق الذي يكون على خط مستو، وبه شبه طريق الحق، قال تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وإستقامة الإنسان تعني: لزومه المنهج المستقيم، والاستقامة بحسب مفاهيم الشرع هي: لزوم ما جاء به الشرع أمرًا ونهيًا وحكما وحدا، قال تعالى: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ).
ولفظ الاستقامة ورد في القرآن الكريم في عشرة مواضع في صيغة الفعل، من ذلك قوله سبحانه: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ). وورد وصفًا لـ الصراط في خمسة وثلاثين موضعًا، من ذلك قوله تعالى: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) وورد وصفًا لـ (القسطاس) في موضعين فقط، أحدهما: قوله عز وجل: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)..
ولفظ الاستقامة ورد في القرآن الكريم على أربعة معان، هي:
الأول: بمعنى الثبات والدوام على الدعوة إلى الدين، من ذلك قوله تعالى: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) ومعناه الثبات على الدين.
المعنى الثاني: الثبات على التوحيد، وعلى هذا قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، أي: ثبتوا على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره معه، وقد روى الطبري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، قال: (قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام ).
وروي الطبري أيضًا عن سعيد بن عمران، قال: قرأت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا. وروي أن المراد من هذه الآية الثبات والدوام على طاعة الله، وهو قريب من معنى الثبات على التوحيد..
قال ابن كثير: عملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ على المنبر قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، قال: استقاموا لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعلب.
المعنى الثالث: الثبات على طاعة الله والتزام أحكامه، على ذلك قوله سبحانه: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "وأن لو استقاموا على الطريقة" يعني بالاستقامة: الطاعة. أي: لو ثبتوا وإستداموا على طاعة الله عز وجل، لأسقيناهم ماء نافعًا كثيرًا.
وفي الآية معنى ثان ذكره ابن كثير، حاصله: أن أهل الضلال لو استمروا على ضلالهم، لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا لهم، وعلى كلا المعنيين يبقى معنى الاستقامة هنا: الدوام والاستمرار..
لكن على المعنى الأول -وهو الأرحج- الثبات والدوام على الطاعة، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، وعلى المعنى الثاني، الثبات على الضلال والكفر، ويؤيد هذا المعنى قوله سبحانه: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)..
المعنى الرابع: بمعنى الوفاء بالعهد والثبات عليه، وذلك قوله سبحانه: ( ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)، قال قتادة: فلم يستقيموا، نقضوا عهدهم. وقال الطبري: أمر سبحانه نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام، فما استقاموا على عهدهم.
وقال ابن كثير: إن تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم، فامضوا على ما عاهدتموهم عليه.. هذا، والذي نخلص إليه مما تقدم، أن لفظ الاستقامة في القرآن يفيد معنى الثبات على الأمر والدوام والاستمرار عليه بشكل أساسي دائم.

