رئيس التحرير
عصام كامل

الجماهير روح الملاعب.. فهل تعود الكرة المصرية إلى أصحابها؟

18 حجم الخط

منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، تعيش الرياضة المصرية، وعلى رأسها كرة القدم، حالة استثنائية بدأت عقب الأحداث المؤسفة التي شهدتها الملاعب المصرية، لتتحول المدرجات تدريجيًا من ساحات نابضة بالحياة إلى مقاعد صامتة تفتقد أهم عناصر اللعبة وهي الجماهير.


‎فالجمهور ليس مجرد متفرج يحمل راية فريقه ويهتف باسمه، بل هو أحد أهم عناصر صناعة الرياضة الحديثة. وجود الجماهير يمنح اللاعبين الحافز والدافع لتقديم أفضل ما لديهم، ويصنع الأجواء التي تميز كرة القدم عن غيرها من وسائل الترفيه. كما أن امتلاء المدرجات يرفع من القيمة التسويقية للدوري، ويزيد من جاذبية المباريات للمشاهدين والرعاة ووسائل الإعلام.


‎وخلال السنوات الماضية، دفعت الرياضة المصرية ثمن غياب الجماهير أو تقييد حضورها بصورة كبيرة، وهو ما انعكس بوضوح على أداء الأندية والمنتخبات خارج الأرض، حيث يواجه اللاعب المصري ملاعب ممتلئة بجماهير الخصم في البطولات الأفريقية والعالمية، بينما اعتاد محليًا اللعب في أجواء هادئة تفتقد الحماس والضغط الجماهيري الطبيعي، الذي يمثل جزءًا أساسيًا من تكوين اللاعب نفسيًا وفنيًا.


‎وعندما نظمت مصر بطولة كأس الأمم الإفريقية 2019، ظهرت بارقة أمل حقيقية مع تطبيق نظام بطاقة المشجع وربط التذاكر بالهوية الشخصية إلكترونيًا. وقد نجحت التجربة تنظيميًا وأمنيًا بدرجة كبيرة، وأثبتت أن الدولة المصرية تمتلك القدرة على تنظيم البطولات الكبرى بأحدث الوسائل التكنولوجية.


‎لكن المشكلة بدأت عندما تحولت الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم ومعقد لحضور مباريات الدوري المحلي، فأصبح المشجع مطالبًا باستخراج بطاقة سنوية مدفوعة، وتحديد النادي الذي ينتمي إليه، مع فرض إجراءات متعددة على عملية شراء التذاكر والدخول إلى الملاعب.


‎وهنا يبرز تساؤل منطقي: هل أصبح الانتماء الرياضي قيدًا إداريًا؟ فكرة إلزام المشجع بتحديد نادٍ واحد لا تتماشى مع الطبيعة الحقيقية للرياضة الحديثة. فمن حق أي مواطن أو سائح حضور أي مباراة يرغب في مشاهدتها للاستمتاع بكرة القدم، بغض النظر عن انتمائه الكروي.


‎في الدول الأوروبية الكبرى مثل إنجلترا وإسبانيا، أصبحت الرياضة جزءًا من صناعة السياحة والترفيه. فالسائح الذي يزور لندن أو مدريد يستطيع بسهولة شراء تذكرة لمباراة في الدوري الإنجليزي أو الإسباني عبر تطبيق إلكتروني أو موقع رسمي خلال دقائق، دون الحاجة إلى استخراج بطاقة تعريف سنوية أو إثبات انتماء لنادٍ معين.


‎بل إن مباريات كرة القدم والتنس وغيرها من الرياضات أصبحت عنصر جذب سياحي رئيسيًا، يدر مليارات الدولارات سنويًا على الاقتصاد، ويعزز صورة الدول عالميًا.


‎وفي المقابل، ما زالت عملية حضور المباريات في مصر تواجه العديد من التعقيدات التي أدت إلى عزوف قطاع كبير من الجماهير، ليس فقط بسبب الأعداد المحدودة، بل أيضًا نتيجة الإجراءات الطويلة، وارتفاع تكلفة الحضور، وصعوبة الحصول على التذاكر، وغياب المرونة في النظام الحالي.


‎كما أن استمرار الاعتماد على التذاكر الورقية في كثير من المباريات يمثل عبئًا إضافيًا من حيث التكلفة والتنظيم، في وقت اتجه فيه العالم إلى الحلول الرقمية الحديثة التي تعتمد على QR Code والتطبيقات الإلكترونية، بما يضمن السرعة والدقة، وتقليل التكاليف، ومكافحة التزوير، وتحسين تجربة المشجع.


‎إن المستقبل الحقيقي لتنظيم المباريات لا يكمن في المزيد من القيود، بل في الاعتماد الكامل على التكنولوجيا الحديثة، من خلال:
* التذاكر الرقمية عبر QR Code.، تطبيقات إلكترونية موحدة لشراء التذاكر. أنظمة مراقبة وكاميرات ذكية. عقوبات فردية للمخالفين بدلًا من العقوبات الجماعية.
 تسهيل دخول العائلات والسياح والجماهير المحايدة.


‎فالمدرجات الممتلئة ليست خطرًا إذا تم تنظيمها بشكل احترافي، بل هي عنوان نجاح أي منظومة رياضية. وخلال الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، لفتت الأنظار مشاهد ممارسته رياضة الجري لمسافات طويلة في شوارع مدينة الإسكندرية وسط المواطنين وفي مناطق شديدة الازدحام، في صورة عكست بوضوح حالة الاستقرار والأمان التي تنعم بها مصر خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.


‎كما جاءت هذه المشاهد لتؤكد ما أشار إليه أيضًا الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه بالرئيس السيسي، بشأن ما تشهده الدولة المصرية من استقرار وقدرة كبيرة على فرض الأمن والحفاظ على مؤسسات الدولة رغم التحديات الإقليمية المحيطة.


‎وتؤكد هذه الرسائل السياسية والدبلوماسية المهمة أن مصر تمتلك اليوم من القدرات الأمنية والتنظيمية ما يؤهلها لإدارة الأحداث الرياضية والجماهيرية الكبرى بصورة حديثة وآمنة، وهو ما يدعم فكرة التوسع التدريجي والمدروس في عودة الجماهير إلى الملاعب، مع الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والتنظيم الاحترافي بدلًا من القيود التقليدية التي أثبتت السنوات الماضية محدودية تأثيرها في جذب الجماهير من جديد.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الرياضة بدون جماهير تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها وروحها. والكرة المصرية، بما تمتلكه من جماهيرية وتاريخ وأندية كبيرة، تستحق أن تعود ملاعبها نابضة بالحياة من جديد، في إطار من التنظيم والأمن والتكنولوجيا الحديثة، يليق باسم مصر وتاريخها.

الجريدة الرسمية