مجتمع يرفض مجرد الحوار؟
هل نحن مجتمع نقبل مجرد الحوار؟ هذا قمة المأساة في بلدنا الحبيبة، لا نقبل مجرد اختلاف الرأي، بل أحيانا نجرم بعضنا البعض ويصل الأمر إلى الإتهام بالخيانة! لا أعرف ولم أسمع عن الدكتور العوضي، حتى عندما تناقلت الأنباء عن إختفاء مواطن مصري في الإمارات، لم أكن أعرف أنه شخصية لها من الآراء التي تثير الجدل في مجتمعنا الهش، والذي يخشى أي رأي مخالف..
والحقيقة كل الشواهد تشير إلى أن موته غير طبيعي، ولكن هذا ليس موضوعنا، ولكن بقراءة توابع رحيل الدكتور العوضي جعلتني أفكر بصورة ربما تكون مختلفة عن الآخرين، ماذا حدث مع سيد القمني؟ ماذا يحدث مع يوسف زيدان؟ وأحيانا ماذا يحدث مع إبراهيم عيسى؟
أولا: سيد القمني هو ملحد ولم ينكر كما يتضح من الفيديوهات التي تركها.. ولكن عندما ظهر مرات قليلة على الثقافية المصرية لم يكن معه آخر يناقشه وكان يرفض هذا، والغريب بالرغم من تناثر آرائه وتبنى البعض الدفاع عنه، إلا أننا كمجتمع لم يحاول إقامة حوار جاد حول آرائه، وليس المطلوب مطلقا أن يتراجع عن أفكاره..
وليس مطلوبا من المجتمع الاقتناع بما يقوله، ولكن حتى يدرك المجتمع أن الاختلاف في الأفكار والآراء أمر طبيعى، وعلينا أن نعتبره شيئا إيجابيا، لآن المجتمع المتعدد الأفكار أقوى من المجتمع الذي يعتمد على فكر أحادي، بل إن هناك من أصحاب الفكر الأحادي من يتخيل أنه على علاقة واتصال مباشر بالله، وأنه ملهم وبالتالي لا يحاسب..
وجرت محاولة من السيد القمني يتهم فيها الأزهر بأنه منظمة إرهابية، ولم نجد أحد يعترض من النخبة أو المسئولين، بل وسط الجدل حوله وأن الدكتوراه التى يحملها مزورة، تقرر الدولة اعطاءه جائزة الدولة التقديرية، وبدون إبداء أسباب تحترم عقلية المواطن، وهذا أحدث شرخا في الثقة التي يجب أن تكون بين المواطن الحائر وبين مؤسسة الدولة، ورحل السيد القمني وترك عدد من الفيديوهات لا تغنى ولا تسمن من الجوع.
النموذج الثانى هو الدكتور يوسف زيدان، وله أيضا الكثير من الآراء التي تصيب المتلقي في الكثير من معتقدات يؤمن بها، فعندما يتحدث عن البطل صلاح الدين الأيوبي يقول إنه أحقر شخصية في التاريخ، والذي أصابني بالدهشة أن يصرح عالم بهذا الوصف، وأرى أن هذا إسلوب لا يمكن أن يكون إلا لشخص دون الحد الأدنى من التعليم..
فضلا عن هجومه على البطل أحمد عرابي والتشكيك فيما تعلمناه، جعلني أسأل نفسي لماذا الأبطال الذين نراهم قدوة من تاريخ ونعتز بهم يبدو وكأنه يتعمد تشويه صورتهم، وعندما عرض بعض أساتذة التاريخ مناقشته في مناظرة، رفض الدكتور يوسف زيدان المناظرة، بل رفض إقامة أي مداخلات تليفونية أثناء استضافته في البرامج التليفزيونية..
وهنا أذكر أنني حضرت في بيت الشاعر بناء على دعوة من الصديق الدكتور جمال الشاعر، وكان المتحدث فيها الدكتور يوسف زيدان والدكتور نبيل لوقا ببياوى، وأدار الندوة الشاعر الكبير أحمد الشهاوي، وعندما تحدث عن يوسف زيدان عن روايته عزازيل التي كانت حديث الناس، فقال إن أحداثها فيلم هندي، وكانت صدمة لي، هو وغيره أحرار في معتقداتهم وآرائهم، ولكن يجب علينا عدم خداع المجتمع.
نموذج ثالث لم أكن أنوي الحديث عنه وهو علاء الأسواني الذي ارتدى ثوب المعارضة، وعندما استولى الإخوان على الحكم كان يؤيدهم، وكان قريبا من محمد مرسي نفسه ثم انقلب عليهم وانقلب على المجلس العسكري، وترك مصر وأخذ في ممارسة المعارضة من الخارج..
وتعليقي على تجربة علاء الأسواني -الذي ترجمت له رواية في الكيان الصهيوني بالعبرية، والذى تحاور في إذاعة الجيش الإسرائيلي- أن الدكتورة عواطف عبد الرحمن عندما علمت أن اسمها ضمن المجموعة التي قرر السادات اعتقالهم في سبتمبر 1981، كانت في أوروبا، فقررت العودة إلى مصر ومعها ابنها الطفل هشام، التقى بها مصريون وعرب في باريس، حاولوا إقناعها بعدم العودة إلى مصر لأنه سيقبض عليها في المطار، فكانت إجابتها التاريخية: أعود لبلدى والسجن في مصر أفضل من قصر في باريس! عادت وقبض عليها في المطار ولم تندم.
السؤال: هل مجتمعنا يفتقد الحد الأدنى من تقبل الرأي الآخر؟ وإذا كنا نفتقد هذا من المسئول عن ذلك الوضع، هل المواطن المغلوب على أمره أم النخبة التي لا تقبل الحد الأدنى من الاختلاف مع الآخر من أهل وطنه؟
