أبو البقاء الرندي ورثاء سقوط غرناطة!
كانت ليلةً بطول الزمان عمرًا.. يوم سقطت غرناطة (1492م) آخر المدن العربية بالأندلس.. ليكون بسقوطها ضياع دولة العرب والمسلمين هناك.. وكم هي الفرص الضائعة، تلك التي بسببها تسقط الأمجاد..
ولو انتبهت غرناطة لرثاء أبي البقاء الرندي، يوم رثا سقوط قرطبة على أيدي القشتاليين الأسبان في معركة (العقاب/ 1236م) وأخواتها فيمن سقط من المدن الأندلسية قبلها، ما ضاعت الأندلس.. فقد كان رثاؤه صرخةً مدويةً لرأس الأندلس -غرناطة- وما حولها من المدن التي لم تسقط بعد، بأخذ العبرة والدرس قبل فوات الأوان..
لكن غرناطة لم تفعل.. وهكذا يدرك المفكرون في كل عصر، يدركون الخطر قبل المداهمة، حين ينطلق الشعراء والأدباء وهم يصوّرون النهاية المتوقعة في حسرة بالغة.. ومن هؤلاء، بل وعلى رأسهم، أبو البقاء الرندي الأندلسى (1204ـ 1285م) إذ قد عاصر ذروة الفتن والاضطرابات، تلك التي حدثت في الأندلس..
وقصيدته: ( لِـكُلِّ شَـيءٍ إِذا مـا تَمّ نُقصانُ... فَـلا يُـغَرَّ بِـطيبِ العَيشِ إِنسانُ) المسماة بالنونية، كانت بمثابة دعوة للأندلسيين واستنفارًا للجهاد، وحثًا على التوحد والتعاضد، بعد سقوط (بلنسية، ومرسية، وشاطبة، وجيان، وقرطبة)..
وكأن قصيدة أبي البقاء الرندي (لكل شيء إذا ما تم نقصان) تحاكينا الآن لاستلهام العبرة والدرس، من أهل الأندلس في زمان أبي البقاء الرندي.. كي نتوحد نحن كعرب، ونكون على أعلى درجات الحيطة والحذر، فبيننا من بني جلدتنا من هم للخارج منتمون، ومن هم للأعداء مطمئنون..
وها قد غفلت الأندلس ولم تأخذ بصرخة أبي البقاء الرندى، فهلاَّ أخذنا بها نحن اليوم، عسانا أن ننجو من مصير أندلس الأمس.. فهيا بنا لأروع قصائد الرثاء في الشعر العربي، نونية أبي البقاء الرندي
(لكل شيء إذا ما تم نقصان)
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ...... فلا يُغرُّ بطيب العــيــش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ....... من سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحد........ ولا يدوم على حالِ لها شانُ
يُمزق الدهرُ حتمًا كلّ سابغة....... إذا نبت مشرفيات وخرصانُ
وينتضي كل سيف للفناء ولوْ....... كان ابنَ ذي يزَنٍ والغمدَ غُمدانُ
أين الملوك ذَوو التيجان من يمن........ وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ؟
وأين ما شادهُ شدَّادُ في إرمِ.... وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ؟
وأين ما حازه قارون من ذهبٍ........ وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ؟
أتى على الكُل أمر لا مَرد له....... حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك.... كما حكى عن خيال الطيفِ وسنانُ
دارَ الزمانُ على (دارا) وقاتِلِه....... وأمَّ كسرى فما آواه إيـــوانُ
كأنما الصَّعب لم يسْهُل له سببٌ...... يومًا ولا مَلكَ الدُنيا سُليمانُ
فجائعُ الدهر أنواعٌ مُنوَّعة............ وللزمان مسرّاتٌ وأحزانُ
وللحوادث سُلــوان يسهلها....... وما لما حـــــلَّ بالإسلام سُلوانُ
دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له....... هوى له أحــــدٌ وانهدَّ ثهلانُ
أصابها العينُ في الإسلام فامتحنتْ.... حتى خَلت منه أقطارٌ وبلدانُ
فاسأل (بلنسية) ما شأنُ (مرسية).... وأينَ (شاطبةٌ) أمْ أينَ (جَيَّانُ)؟
وأين (قُرطبةٌ) دارُ العلوم فكم...... مـن عالمِ قد سما فيها له شانُ
وأين (حْمصُ) وما تحويه من نزهِ...... ونهرهُا العَذبُ فياضٌ وملانُ
قواعدٌ كنَّ أركانَ البلاد فما........ عسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركــــانُ
تبكي الحنيفيةَ البيضاء من أسفِ..... كما بكت لرسولِ الله أجفانُ
على ديار من الإسلام خالية........ قد أقفرت ولها بالكفر عُمرانُ
صارت كنائسُ قد طال الضلالُ بها.... فليس إلا نواقيس وصلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ.... والمنابر ترثي وهي عيدانُ
يا غافلًا وله في الدهر موعظةٌ...... إن كنتَ في سِنةٍ فالدهرُ يقظانُ
وماشيًا مرحًا يلهيه موطنهُ......... أبعد (حمص) تَغرَّ المرءَ أوطانُ !!!؟
تلكَ المصيبةُ أنْسَـــتْ ما تَقَـدَّمَها.....ومــالهَا مــن طوالِ الدَّهـرِ نِسيــانُ
يا راكبينَ عــتاقَ الخيلِ ضــامرةً......كـــأنَّها في مجـــالِ السَبـقِ عُقبانُ
وحاملينَ سيُـوفَ الهنـدِ مــُرهَفةً...... كــأنَّها في ظَـلامِ النَّقــعِ نــيرَانُ
وراتعين وراء البحر في دعةِ............. لهم بأوطانهم عزٌ وسلطانُ
أَعنــدكُم نبأٌ مـــن أهــلِ أنــدلُسٍ... فقد ســرى بحــديثِ القــومِ رُكبــانُ
كَم يستغيثُ بنا المستضعفــونَ وهُم. قَتلـى وأســـرَى فمــا يهتــزُ إنسانُ
ماذا التـــقاطعُ في الإســلامِ بينكمُ...... وأنتــــم يا عبــادَ اللــهِ إخْـــــوانُ
يا مــن لـــذلَّةِ قــومٍ بعدَ عـــزَّتِهِم...... أحــالَ حـــالهُمْ جــــورٌ وطُغيـانُ
بالأمــسِ كانُوا مُـلُوكًا في مــنازلهِم.... واليـومَ هـم في بــلادِ الكفـرِ عُبدانُ
فـلو تــراهُم حَيَارى لا دليــلَ لهــم...... عليهِــمْ مِــن ثيــابِ الـــذُّلِ ألوَانُ
يا ربَّ أمٍ وطفــلٍ حِيــلَ بينهُـــما....... كـمـــا تُــفــــرَّقُ أرواحٌ وأبـدانُ
وطفلـةٌ مثـلَ حُسـنِ الشمــسِ إذ.......طلعـت كأنَّما هي ياقــوتٌ وَمَرجانُ
يقودُها العِلْـجُ للمكــروُهِ مكــرَهةً.......... والعــــينُ باكيـــةٌ والقَـلـبُ حيـرانُ
لمثلِ هـذا يبكِي القــلبُ مِن كَمــدٍ... إن كـــانَ في القَلـبِ إســلامٌ وإيمانُ
شعر: أبو البقاء الرندي الأندلسي.
ما أروعها قصائد الرثاء، وهكذا يفعل المفكرون والأدباء والشعراء في كل عصر، حين يصوبون إبداعهم ناحية قضايا أمتهم، تحذيرًا وتنبيهًا وشحذًا للهمم.. اللهم بارك أمتنا العربية، ووحد كلمتها، وادفع السوء عنها، وجنبها الفتن، وخذ بيدها لسبيل النهوض.
