رئيس التحرير
عصام كامل

محمود السعدني، تعرض للسجن والفصل من العمل بسبب آرائه وهذا سر حزنه لعدم زيارة المنيا وسوهاج

الكاتب الصحفى محمود
الكاتب الصحفى محمود السعدنى
18 حجم الخط

محمود السعدنى، الولد الشقى، من أشهر الكتاب الساخرين في العالم العربي، أحد ظرفاء العصر، وأحد كبار كتاب الصحافة المصرية، له مشوار طويل وصعب فى بلاط صاحبة الجلالة، سجن أكثر من مرة بسبب آرائه، وكوَّن حوله شلة من كتاب عصره واتخذ من قهوة عبد الله بالجيزة مقرا للقاءاتهم، ورحل فى مثل هذا اليوم 4 مايو عام 2010. 

ولد محمود عثمان إبراهيم السعدني الشهير بـ محمود السعدني في محافظة المنوفية، وهو شقيق الفنان الراحل صلاح السعدني، وعمل في بدايات حياته الصحفية في عدد من الجرائد والمجلات الصغيرة التي كانت تصدر في بداياته، وكانت انطلاقته الكبرى من مجلة الكشكول التي كان يصدرها مأمون الشناوي، ثم جاءت انطلاقته فى جريدة الجمهورية التي أصدرها مجلس قيادة الثورة، وكان رئيس مجلس إدارتها أنور السادات ورئيس تحريرها كامل الشناوي، لكنْ بعد تولي السادات رئاسة البرلمان استبعد السعدني من الجريدة مع عدد من زملائه منهم بيرم التونسي وعبد الرحمن الخميسي، انتقل بعدها إلى الكتابة في مجلة روز اليوسف مديرا للتحرير وكان إحسان عبد القدوس رئيسا للتحرير. 

 

صلاح السعدنى ومحمود السعدنى 
صلاح السعدنى ومحمود السعدنى 


كانت للكاتب محمود السعدنى كتابات سياسية معارضة تعرض بسببها للفصل من عمله والاعتقال أكثر من مرة حتى أنه ترك مصر إلى بيروت وبصعوبة كتب في جريدة “السفير”، ثم سافر عام 1976 إلى أبو ظبي للعمل كمسؤول عن المسرح المدرسي في وزارة التربية والتعليم بالإمارات، كما عمل صحفيا في تحرير جريدة "الفجر" الإماراتية، ومنها إلى جريدة السياسة الكويتية، ثم أصدر مع آخرين فى لندن مجلة "23 يوليو" التى كانت موجهة من لندن لمعارضة السادات.

الميراث لا يصنع الرجال 

فى مذكراته "الولد الشقى " يتحدث الكاتب محمود السعدنى عن نفسه ويقول: لا أهتم في حياتي إلا بالطعام الجيد والملابس الفاخرة، ولكني لا أشعر بأي رغبة في اقتناء النقود، ولا أسعى للحصول على شيء أتركه لأولادي إلا السمعة الطيبة والذكر الحسن، وقد تعلمت من تجربة حياتي أن الميراث لا يصنع الرجال، ولكنها التجربة والرغبة في قهر الظروف السيئة وأنا نفسي لم أرث شيئًا إلا الفقر والديون، ومع ذلك استطعت أن أخرج من مصيدة الحياة الضيقة، وكان السفر هو هوايتي الوحيدة ومتعة حياتي التي لا أشعر بتخمة منها، بل البهجة والسعادة، ولكن أشعر دائما أنني في حاجة إلى المزيد منه، وعلى طول ما لفيت ونطيت في الداخل والخارج، إلا أنني آسف وحزين لأني لم أذهب إلى بعض بلاد مصر وقراها التي أتمنى لو تتاح لي الظروف لزيارتها في وقت قريب، فأنا مثلًا حتى هذه اللحظة لم أزر محافظة  المنيا، ولم أشاهد سوهاج إلا من خلال نوافذ القطار على الطريق إلى أسوان مثلًا.

اعيش وسط الزحام مع الناس 

وأضاف محمود السعدنى: أنا من النوع الذي لا يهوى الفرجة على الآثار، ولا قضاء الوقت في المتاحف، لكن أحب الحياة مع الناس، أعيش وسط الزحام، ولي في كل بلد سافرت إليها أصدقاء وأحباء أحن إليهم وأشتاق إلى رؤيتهم، وأتمنى أن أذهب إلى لقائهم بين الحين والحين، إلا أن المكان الذي أعشقه وقضيت فيه أيام عمرى "قهوة عبدالله " التي تتوسط ميدان الجيزة، التقيت فى هذا المقهى بعشرات من الأدباء والشعراء والفنانين معظمهم تتلمذت على يديه وبعضهم زاملته وبعضهم تأستذت عليه.. نماذج من البشر لن يجود الزمان بمثلهم، اجتمعوا طويلا ثم انفضوا جميعا، بعضهم اختطفه الموت، والبعض هرسه الزمن الغادر وبعضهم طرده الجمود والنكران إلا أنهم جميعا من زبدة مصر وسحرها وحفنة من ترابها، إنهم مصر نفسها وبدونهم ربما لا تكون مصر.

وتابع محمود السعدنى فى مذكراته: لمنطقة القنال منزلة خاصة في نفسي وكذلك مسقط رأسي قرية قناطر القربين محافظة المنوفية، حيث أشعر نحوها بحنين دافق فياض،  ولا أكره في حياتي إلا رؤية المقابر ولقاء رجل أكرهه، ولا أشعر باحتقار في حياتي إلا للرجل الندل والمرأة التي تخون بلا سبب.

قهوة كتكوت آخر الاصدارات 

بعد مشوار أكثر من خمسين سنة صحافة وضع محمود السعدنى عدة مؤلفات كان أهمها مذكراته التى أصدرها فى أربعة أجزاء باسم "الولد الشقى "، الطريق إلى زمش، مسافر على الرصيف، أمريكا يا ويكا، الموكوس في بلاد الفلوس، المضحكون، حمار من الشرق، تمام يا أفندم، رحلات ابن عطوطة، وكان آخرها قهوة كتكوت.

محمود السعدنى بصحبة الاديب نجيب محفوظ 
محمود السعدنى بصحبة الأديب نجيب محفوظ 

وفى فترة ما قبل الرحيل وهو يرقد على سرير المرض كتب محمود السعدنى يقول: مضى قطار العمر وولت سنوات الشباب من بين أصابعى دون أن أدرى، ماتت البسمة على شفتى لا أدرى لماذا، وانهارت ذاكرتى حتى شعرى راح يتآكل كأنه فروة خروف جربان، وازددت صلعا وقلة قيمة وأنا حي أرزق، وبعد أن كان الأكل لذة أصبح لعنة، والليل الذى كان سميرى أصبح عدوى اللدود، وإذا سهرت ليلة نمت من المغرب كالفراخ، حتى صعود السلم أصبحت لم أقدر عليه، أتوكأ على عصا، وعلى عيني نظارة، لكنى أتمنى من الله ولا يكثر على الله أن يصدر قرار استثنائى بأن يظل بعض الناس الطيبين أحياء إلى آخر الزمان وأن أكون واحدا منهم، فأنا أخشى أن يحملنى الأصدقاء يوما ليقذفوا بى فى حفرة ثم يسهرون فى الليل يرددون نكاتى ومشاغباتى معهم، لقد دفعت دفعا من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الكهولة دون أن أمر بمرحلة الشباب، سأعيش صحفيا وأموت صحفيا وسأحشر يوم القيامة فى زمرة الصحفيين.

الجريدة الرسمية