قانون الإدارة المحلية.. الفريضة الغائبة
تبنى دستور مصر الحالي رؤية متقدمة للغاية فيما يتعلق بترتيبات الإدارة المحلية، من خلال حزمة نصوص دستورية تطمح لبناء نظام إدارة محلية محوكم، لامركزي، ديموقراطي وقابل للمساءلة، ولمدة إثنى عشر عاما إنتظر عموم المصريين إتمام الفريضة الغائبة، بإصدار قانون جديد للإدارة المحلية بديلا عن القانون الحالي (43 لسنة 1979) الذي لم يعد يتوافق مع نصوص الدستور، ولا يستجيب لروحه، ولا يتناسب مع طموحات التنمية المحلية الشاملة والمستدامة.
للإنصاف، وبعيدا عن المزايدات، فإن السياقات التي دفعت نحو تأجيل إصدار هذا القانون متنوعة والكثير منها له منطقه ووجاهته، فعلي سبيل المثال أعطت الدولة خلال السنوات الماضية أولوية لتدشين بنية أساسية قوية تنتشل المجتمعات المحلية مما عاشته لعقود طوال من تهالك البني التحتية وسوء الخدمات وتراجع مقومات وهياكل التنمية الاقتصادية المحلية..
ويقينا سيكون لإنجازات الدولة في هذا الملف مردوداتها على نجاح التحول نحو اللامركزية، وتمكين المستوى المحلي من تطبيق القانون الجديد وهي في وضعية أفضل، كما أن البيئة الحزبية في مصر (باعتبارها المصدر الرئيسي لمن سيشغلون عضوية المجالس المحلية) كانت تحتاج وقتا كافيا للتشكل، وتجاوز حالة الاستقطاب والنزق والهلامية وملىء جزء من الفراغ السياسي على مستوى المجتمعات المحلية، بما يجعلها قادرة في وقت من الأوقات على تقديم مرشحين وقوائم تستوفي اشتراطات النصوص الدستورية الحاكمة.
ولمزيد من الإنصاف أيضا، فإن الدولة بهيئتيها التشريعية والتنفيذية تبنت خلال السنوات الماضية أطر قانونية ستكون داعمة ومساندة ومكملة لدور قانون الإدارة المحلية في تلبية غايات الدستور كقانوني التخطيط العام والمالية الموحد وعدد من القوانين المنظمة لقطاعات المرافق والخدمات.
ويدور الآن نقاش مجتمعي وبرلماني حول قانون جديد للإدارة المحلية، ويدبو أن النقاش هذه المرة سيفضى الى إصدار هذا القانون بنهاية المطاف، خاصة في ضوء ما تضمنته تكليفات السيد رئيس الجمهورية للحكومة الحالية بهذا الشأن، ومبادرة الحكومة وعدد من البرلمانيين والكتل النيابية بطرح مشروعات لهذا القانون خلال دور الانعقاد الحالي للبرلمان..
فضلا عن الحاجة الملحة التي يفرضها الواقع والمتمثلة في ضرورتين، أحدهما إدارية تتعلق بحاجة مستويات الإدارة المحلية لأدوات قانونية وتنظيمية تعزز كفاءتها وفاعليتها واسهامها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والثانية ضرورة سياسية تتعلق بالحاجة لاستكمال بنية التنظيمات الشعبية وخلق آليات محلية للمساءلة والرقابة.
وبقدر أهمية ومحورية قانون الإدارة المحلية - بوصفه أحد القوانين المكملة للدستور-، بقدر ما يتطلبه من نقاش وحوار مجتمعي شامل وحقيقي ومسئول، وهو نقاش يجب أن لا يستدرج للتركيز فقط على مكون المجالس المحلية، بقدر ما يتسع ليشمل مجمل الأوضاع التي يفترض أن ينظمها القانون بما فيها أدوار وترتيبات المكون التنفيذي..
والصلاحيات المخولة للوحدات المحلية، حدود وطبيعة العلاقة بين المستوى المركزي والمحلي، الأدوات التي سيمكن من خلالها المستوى المحلي وعلى رأسها الموارد المالية والمسئولية عن انشاء وإدارة المرافق والخدمات، وضمانات الحوكمة والكفاءة والتغلب على التحديات الراهنة وتنظيم الانتقال التدريجي من المركزية إلى اللامركزية وما يصاحبه من متطلبات دعم المستوى المحلي للقيام بأدواره الجديدة وفقا للدستور والقانون.
وهنا يبرز دور الأحزاب السياسية التي تعد صاحبة مصلحة أصيلة في هذا القانون، والمؤسسات الوطنية المعنية وعلى رأسها المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للمرأة، بالإضافة الي المنخرطين في العمل المحلي ذاتهم من كوادر ومسئولين حاليين وسابقين لهم خبرتهم وتجربتهم ورؤيتهم التي ستضيف الكثير لأي مشروع قانون سيتم تبنيه من خلال البرلمان.
ولعل نقطة البداية الصحيحة هي البدء في طرح ونشر مسودات مشروعات القانون، التي يجري الحديث عنها وتداولها في أروقة الحكومة والبرلمان خلال الأسابيع الماضية، لتكون مرجعا أساسيا للحوار المطلوب، وتشجيع القوى السياسية والمجتمعية والمؤسسات الوطنية على الاشتباك الإيجابي مع ما هو مطروح وصياغة رؤى واقعية ومسئولة تقربنا من الوصول لمشروع قانون مؤهل للعرض على غرفتي البرلمان.
ختاما، فإن قانون الإدارة المحلية ليس مجرد قانون يجري تعديله، لكنه إطار تشريعي شامل ينظم عملية انتقال كاملة من نمط إدارة محلية تبنته مصر لعقود طويلة إلى نمط مغاير لحد بعيد يعطي صلاحيات لم تكن متاحة من قبل للمستوى المحلي، ويستحدث أدوات للرقابة والمساءلة المجتمعية لم يعتادها المسئولين التنفيذيين ويرسخ لثقافة قد تكون جديدة بالنسبة لأجيال من المهتمين بالعمل المحلي.


