في نقد ما جرى.. الأحزاب ونصيبها من الخطأ
أحكام الإدارية العليا، وفيتو رئيس الجمهورية، وقرارات الهيئة الوطنية للانتخابات، وانحيازات الناخبين المصريين، هذه كانت العوامل المؤثرة في التغيير الذي طرأ على مشهد انتخابات برلمان 2025، وهو تغيير ظهر بوضوح في اختلاف نتائج الدوائر التي أعيد التصويت فيها إنفاذا لأحكام القضاء وقرارات الهيئة الوطنية، وقبل ذلك ظهر في مستوى الالتزام بالإجراءات القانونية الناظمة وتواري مظاهر المخالفات في دوائر المرحلة الثانية.
المشهد برمته يعبر عن نضج دولة المؤسسات، واستخدام كل مؤسسة لصلاحياتها الدستورية وأدوارها القانونية في إنصاف أصحاب الحقوق ووقف الانتهاكات وتوفير ضمانات لولادة مجلس نواب يعبر عن إرادة شعبية حقيقية، إلا أن ذات المشهد يكشف عن أن طرفا أساسيا في المنظومة السياسية يحتاج إلى مراجعة أدائه وتفاعلاته مع ما جرى وحدود مسئوليته عما كان.
هذا الطرف هو الأحزاب السياسية ذاتها، وعلى رأسها الأحزاب الثلاث الكبرى، مستقبل وطن والجبهة وحماة الوطن، ومن تحالف معهم من أحزاب داعمة أو معارضة.
إننا إزاء لحظة لا يجدى فيها التعامل مع ما حدث على أنه سحابة صيف وذهبت لحال سبيلها، فالواقع أن ما جرى كان كاشفا عن أن هناك تحديا جوهريا متعلقا بآليات اتخاذ القرار الحزبي، والطريقة والمعايير التي اتبعتها الأحزاب في اختيار مرشحيها على المقاعد الفردية، وتشكيل حصصها في القائمة الوحيدة التي عُرضت على الناخبين.
وعن قدرة ذات الأحزاب على إقناع الجمهور العام للناخبين في كسر صمتهم وممارسة حقهم في اختيار من يمثلهم، ومسئوليتهم عن النتيجة التي كشفت عنها إحصائيات الحصر العددي، وأظهرت تراجعا غير مسبوق في معدلات المشاركة لدرجة وصلت إلى حدود 1-2% من إجمالي الناخبين في بعض الدوائر الكبرى.
لقد تعاملت الهيئة الوطنية للانتخابات والأجهزة التنفيذية بحياد واضح خلال فترة الانتخابات، ويحسب لها الالتزام بنهج شفاف في الإعلان عن المخالفات ومعدلات المشاركة ومجريات العملية الانتخابية، إلا أن ذلك يلقي بكرة لهب كبيرة في حجر الأحزاب السياسية وقياداته.
ويفتح أبوابا لتساؤلات مشروعة حول علاقة الأحزاب بالناس، وحول مدى التزامها بطرح مرشحين قادرين على نيل ثقة الناخبين، وحول كفاءة مسارات التواصل السياسي والتعبئة المجتمعية وتبني برامج وخطابات سياسية تعكس اهتمامات المواطنين وتجعلهم في “متن القصة” وليس على هامشها.
ستنتهي انتخابات مجلس النواب بما سيقدر لها أن تنتهي إليه، وستبقى تلك الأسئلة تنتظر إجابات، وستبقى عيون الناس مصوبة نحو غرف القيادة واتخاذ القرار في الأحزاب المصرية التي تصدرت المشهد لترى وتسمع صدى ما جرى، ولا أعتقد أن الرهان على الوقت أو ضعف الذاكرة أو التعويل على النسيان سيجدي نفعا.
فالممارسة السياسية الحكيمة والرشيدة تقتضي أولا الاعتراف بنصيب الأحزاب من الخطأ، وثانيا المراجعة الشاملة للترتيبات المؤسسية والتنظيمية التي تسببت فيما جرى، وثالثا إجراء التغييرات الجوهرية التي تطمئن الناس على أن ما كان غير قابل للتكرار.
إن التجربة الحزبية في مصر - رغم ما بها من سلبيات وقصور - تبقى ضروية للبناء عليها من أجل مستقبل مختلف للممارسة السياسية المنظمة، لكن إدراك هذا الغاية النبيلة يقتضي قناعات مختلفة عند أهل الحل والعقد في المشهد الحزبي بأكمله، ويقتضي اعترافا بحقيقة أن الأحزاب بترتيباتها وممارساتها الحالية كانت جزءا من المشكلة.
وأخيرا يقتضي فهم إشارة الرئيس التي أوردها منذ أسابيع في أحد تصريحاته عندما قال إنه: لم يسعَ لتأسيس حزب سياسي يحمل اسم الرئيس، لأن تلك الخطوة مؤجلة لمرحلة لاحقة.
وهو ما يعني أن الدولة ورئيسها يقفون على مسافة واحدة من كافة الأحزاب القانونية الفاعلة على الساحة، ويعولون على الميكانيزمات الداخلية لهذه الأحزاب في تصويب المسار.
