عضو هيئة كبار العلماء الدكتور حسن الشافعي لـ “فيتو”: أقترب من عامي المائة.. ولست راضيا عن نفسي.. أبي أستاذي الأول.. وأدين بالفضل لزوجتي التي عاشت معي ستين سنة
في عالم تتزاحم فيه الأفكار وتتعاظم فيه التحديات الفكرية والدينية، يظل حضور العلماء الكبار ضرورة لا غنى عنها لحفظ التوازن بين ثوابت التراث ومتغيرات العصر، ومن بين هؤلاء يبرز الدكتور حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ومدير مركز الإمام الأشعري، ورئيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، والرئيس السابق لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، بوصفه واحدًا من أبرز أعلام المدرسة الأزهرية في العقود الأخيرة، وعالمًا جمع بين عمق الدرس التراثي والانشغال بقضايا الفكر الإسلامي المعاصر.
وعلى امتداد مسيرة علمية طويلة، تنقل الدكتور حسن الشافعي بين ميادين البحث والتدريس والعمل المؤسسي، مسهمًا في خدمة الفكر الإسلامي واللغة العربية، ومشاركًا في العديد من القضايا العلمية والفكرية التي شغلت العالم العربي والإسلامي، وهو ما جعله شاهدًا على تحولات فكرية وثقافية كبرى شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.
وفي هذا الحوار، يفتح الدكتور حسن الشافعي صفحات من رحلته العلمية والدعوية، متحدثًا عن محطات التكوين الأولى، وعن تجربته في خدمة الأزهر الشريف، كما يقدم رؤية عميقة لعدد من القضايا الفكرية المعاصرة، وفي مقدمتها دور الأزهر في مواجهة التحديات الفكرية الراهنة، ورسالة مركز الإمام الأشعري في ترسيخ منهج الاعتدال ومواجهة موجات الغلو والتطرف، في حديث يعكس خبرة عالمٍ قضى عمره بين محراب العلم وميادين الفكر.. فـ إلى نص الحوار
- في البداية بعد مسيرة علمية امتدت لعقود داخل الأزهر وخارجه.. كيف ينظر الدكتور حسن الشافعي اليوم إلى رحلته مع العلم؟ وما المحطات التي شكلت وعيه الفكري مبكرًا؟
أود أن أقول بأن المحطة الأولى تبدأ من المرحلة الابتدائية، وهي تقابل الإعدادية في هذه الأيام، ثم يليها المرحلة الثانوية القديمة، وكانت خمس سنوات وليست ثلاثًا كما هي الآن، وفي المرحلة الابتدائية درسنا اللغة العربية درسًا عميقًا اختتم بدراسة كتاب عريق من كتب النحوي المصري ابن هشام الذي يقول عنه ابن خلدون: «كنا ونحن بالمغرب نسمع عن رجل ظهر بمصر هو أنحى من سيبويه»، وكنا نقرأ كتاب «شذور الذهب» الذي كان في ذلك الوقت مقررًا على طلاب الجامعة في قسم اللغة العربية، وهذا يعطيك عمق الدراسة في ذلك الحين.
ولما انتقلنا إلى المرحلة الثانوية، وأعتقد هذه هي المحطة الثانية في دراسة علوم العربية وعلوم الشريعة الإسلامية من تفسير وحديث وعقيدة ومنطق إلى آخره، تولانا شيخ عظيم من عظماء مصر وهو الشيخ أشهب القاضي، وكان فقيهًا مالكيًا، ولكنه كان متخرجًا في كلية اللغة العربية ومتخصصًا في علوم العربية، وقد درس لنا شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك المعروفة، لكنه إعجابًا بهذه الفرقة التي لقيها في السنة الأولى الثانوية -وكان ذلك عام ألف وتسعمائة تسعة وأربعين-طلب من مشيخة المعهد أن يُنقل معنا من الأولى الثانوية إلى الثانية والثالثة والرابعة حتى العام الأخير، وهو الخامس الثانوي، وأعتقد أنني لم أر مثل هذا الرجل وزملائه حتى في المراحل العليا بعد ذلك، وأصبح محصولنا في اللغة العربية وتكويننا اللغوي في غاية الرسوخ والمتانة، وأنا في كل صلاة إذا لم أنس أدعو لهؤلاء المشايخ الذين علمونا، ومنهم -كما تقولون- المحطات والشخصيات، ومنهم من هو أكثر تأثيرًا في نفسي من الناحية الفكرية، وربما الشيخ أشهب من الناحية العلمية والنحوية واللغوية، وظللت على صلة به بعد ذلك حتى الستينيات من القرن الماضي.
وكان من بين هؤلاء الرجال الذين أسهموا في تكويني من الناحية الفكرية والعلمية والعقلية بوجه عام هو الشيخ علي عبد المنعم عبد الحميد، وكان شابًا ما يزال خريجًا حديثًا من كلية أصول الدين، وعلى صلة خاصة بشيخه الشيخ/ محمد يوسف موسى، ويقلده أيضًا في دراسة اللغة الفرنسية، فقد أتقن الفرنسية في القاهرة، وسافر على مسؤوليته الشخصية إلى السوربون ونال الدكتوراه من هذه الجامعة العريقة، وهذا الشيخ هو صاحب الفضل علي شخصيًا في التكوين الفكري والعلمي بجانب التكوين اللغوي الذي تولاه شيوخ كثيرون وأبرزهم الشيخ أشهب القاضي، لعلي أجبت عن المرحلة الأولى للتكوين والذين كانوا أصحاب تأثير خاص في ذلك، وكما قلت عن صدق إنني أدعو لهم كل يوم إن لم يكن كل صلاة.
- توليتم مواقع علمية رفيعة من هيئة كبار العلماء إلى رئاسة مجمع اللغة العربية.. كيف أثرت هذه المسؤوليات على رؤيتكم لدور العالم الأزهري في المجال العام؟
لا شك أن هذه مناصب رفيعة لم أكن أتطلع إليها، أو أعتقد أنني سوف أكون فيها في المستقبل عندما كنت شابًا، ولكن شاء الله -عز وجل- أن تُسند إليّ مثل هذه المناصب وأن أشغلها، وكنت عندما دخلت أو صَعِدت سلم مجمع اللغة العربية لأول مرة أشعر بالرهبة والخوف، وإن كنت قد بلغت الرابعة والستين في ذلك الحين، وبعد ذلك كانوا يعتبرونني من شباب المجمع؛ لأن الأعمار في جلسة مثل هذا المجمع والمنتدى العلمي هي غالبًا تصافح المائة.
وكذلك وصولي إلى مكان من مكانات تمثلها هيئة كبار العلماء للأزهر الشريف باعتبارها أعلى التنظيمات العلمية والمؤسسات الأزهرية، كل أولئك يلقي عليّ مسؤولية كبيرة، وخصوصًا كما تفضلتم من واجبات العَالِم في الحياة العامة والمجال العام، فالمجال الخاص هو قراءة الكتب المتخصصة وتدريسها، وهذا بحمد الله قمت به في مصر في كل من الكليات الأزهرية والكليات الجامعية وخصوصًا كلية دار العلوم التي تخرجت فيها، ومن كلية أصول الدين في وقت واحد، ولكني عُينت فيها معيدًا ثم مدرسًا إلى آخر السلم المعروف.
فأنا أدرس العقيدة الإسلامية، والفلسفة الإسلامية، والفكر الإسلامي، والمنطق، والتصوف، والعلوم المتصلة بالفكر الإسلامي في هذه المعاهد؛ ولكن هذه المسؤوليات المتعددة جعلتني أقسم واجباتي فيما بين العمل الأكاديمي أو الجامعي، والعمل المجمعي في إطار اللغة العربية ومسؤولياتها ودورها، وبعد ذلك المسؤولية الفكرية عن وضع العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية في فضائنا المعاصر.
فلعلّي غير راضٍ عن نفسي تمامًا، ولكنني حاولت في هذه المجالات الثلاث أن أقوم بواجبي، وأعتقد أنني من أكثر العاملين في هذه المؤسسات الثلاث نشاطًا، ولا تكاد تجد مؤتمر أو مطلب علمي أو فكري أو توصية أو دراسة أو ورقة تصدر عن هذه المؤسسات دون أن ألزم نفسي بالاطلاع عليها وربما إبداء الرأي بشأنها، ولكن من الواجب علي أن أقول إنني غير راضٍ عن نفسي تمامًا فيما يتعلق بهذا، وأترك الحكم على ما تهيأ لي من نهوض بالمسؤولية الواجبة في هذا الصدد لمن يتابعون ويدرسون، ولا أحكم على نفسي وإن كنت قد ذكرت شعوري الشخصي.
هل دفعتم ثمنًا شخصيًا لهذه المسيرة الطويلة مع العلم وهل أثرت على علاقتكم الاجتماعية؟
المشتغلون بالعلوم الإسلامية والشرعية على وجه الخصوص لا يتحملون مسؤولية أكاديمية أو علمية فحسب، ولكنهم يتحملون في الحقيقة مسؤولية عامة في بناء الفكر المصري والإسلامي والعربي، فهذه ناحية ربما تعرضهم لبعض التضحية، ومَنْ مِن العلماء لم يمارس هذه الأشياء؟، وقد اكتسبنا من التربية الأزهرية الممارسة العامة والمشاركة للجمهور، وعدم تجاهل القضايا المثارة في حياة المسلمين، ومحاولة الإسهام في حلها أو توضيحها على أية حال بهدي من الوسطية والاعتدال.
- مع انشغالكم الطويل بالعلم والعمل العام، كيف كان تعامل الأسرة والبيئة المحيطة؟
الحمد لله أنني قد نشأت في أسرة دينية علمية، وكان أبي -رحمه الله- وهو أول أساتذتي، من مطلع الأربعينيات من القرن الماضي العشرين الميلادي، عالمًا أزهريًا، وكنت أقرأ له في الصحف والمجلات وأحيانًا بعض الكتب، فلذلك كان تكويني العلمي وسلامة أدائي اللغوي حتى قبل أن أدخل الأزهر الشريف، وكان تشجيع هذه الأسرة الكبيرة، التي تضم الأب والأم والإخوة -ولم أكن أولهم ولا آخرهم، وإنما كان هناك قبلي إخوة ثلاثة، وبعد ذلك جاء من بعدي إخوة وأخوات آخرون- فكانت الأسرة كبير وممتدة.
ولكن بعد أن صرت رب أسرة أصبحت الزوجة التي اخترتها زوجة لي هي المتحملة للأعباء والصعوبات الناشئة من امتلاء الوقت وتوجيه الاهتمام إلى المسؤوليات، كما قلت: ما كان منها علميًا أكاديميًا، وما كان منها دينيًا وشرعيًا، وما كان منها فكريًا ونفسيًا، فهذا كله يشغل الإنسان عن واجبات أسرته الشخصية ويحرم المحيطين به من بعض حقهم. نعم، إن الموفقين من عباد الله، وفي مقدمتهم الأنبياء والدعاة، يعرفون كيف يجمعون بين رعاية الجانبين، ولكن تلك المرتبة قلما تتحقق، ولذلك أمثالنا إما أن يقصر في هذه أو تلك، وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم.
فأسأله سبحانه أن يغفر لنا تقصيرنا في حق أسرتينا: الكبرى المربية والمؤسسة، والثانية المصاحبة والمعاشرة في الحياة، حتى صرت أصافح المائة، أو أقف بين التسعين وهذه القمة التي بشرني بها بعض زملائي وإخواني، ولا أريد أن أسمي، إنك ستبلغ المائة، فأنا الآن في سادس تسع وتسعين، وقد فقدت زوجتي، ولكنها عاشت معي قرابة ستين عامًا مليئة بهذا الجهد والجهاد والمجاهدة والعمل العام. وأرجو أن يكون ذلك خالصًا لوجه الله الكريم، وأن يغفر ما فيه من تقصير أو غفلة أو ضعف أو انحراف.
بصفتكم عضوًا بهيئة كبار العلماء، كيف تقيّمون دور الهيئة في اللحظة الراهنة، خاصة مع تصاعد القضايا الجدلية المرتبطة بالدين في الفضاء العام؟
أعتقد أن الهيئة تحاول أن تؤدي واجبها في اللحظة الفكرية الراهنة، وما يعترض بعض الشباب المعاصر من أفكار، وما يدبره البعض من استغلال للمشكلات والقضايا التي قد لا تكون حقيقية، وإنما ينفخون فيها ليعتبروها عُقدًا ومشكلات غير قابلة للحل، ويهزون بها الكيان المعنوي والروحي للشباب المسلم المعاصر، كما أن واجب المؤسسات الإسلامية، ومنها الهيئة الرئيسية في الأزهر الشريف، وهو الموئل الأساسي لنصرة الشريعة والعقيدة الإسلامية، هذا الواجب أصبح عبئًا ثقيلًا ومهمة كبرى ورسالة لا بد أن يستعد أهلها لحملها ويحملونها ويؤدونها على بصيرة، ويستهدفون خير الأمة في كل أجيالها ومناطقها شرقًا وغربًا.
وبالتالي، لا أستطيع أن أقول إننا نقوم بهذا الدور ونؤدي هذه المهمة المطلوبة على الوجه الأتم، ولكننا نحاول، وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر لنا قصورنا وتقصيرنا، وأن يساعدنا ويساعد الأجيال القادمة التي ستحمل الراية من بعدنا على أن يكونوا أكثر أهلية لأداء هذا الدور، وأكثر إخلاصًا في النهوض به، وأكثر شجاعة في أداء هذا الواجب، وتحملًا وصبرًا وأدبًا واعتدالًا وتوسطًا، حتى يمكن أن يضخوا هذه الروح الإسلامية الأصيلة والأزهرية المعتدلة والمنهج الوسطي في حياة المسلمين في الوقت الحاضر، وليس هناك سفينة للنجاة ولا موئل يلجأ إليه أحد -إلا من عصى الله- إلا هذا الكهف الأزهري، وهذا الوضع الذي تحاول هيئة كبار العلماء، بل الأزهر كله، معاهد ومدارس وكليات وجامعة ومجامع وهيئات للبحث.
ما أبرز التحديات الفكرية التي تواجه الأزهر اليوم في ظل انتشار الخطاب الديني غير المنضبط عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟
من أبرز التحديات التي تواجه الأزهر اليوم فتاوى التكفير العشوائية، فما أحوجنا إلى خطاب وسطي يجمع شمل هذه الأمة، والأزهر الشريف بقيادة إمامنا الأكبر لا يكل ولا يَمَل من نزع خطاب الكراهية والتكفير، والتأكيد على وحدة أهل القبلة ومصيرهم المشترك في مواجهة التحديات التي تحيط بهم من خصومهم وأعدائهم، وقد خطى إمامنا الأكبر خطوات في هذا المشروع وقد أثمر عنه مؤتمر المنامة الذي انعقد العام الماضي بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، وسيعقبه لقاءات أخرى بإذن الله، نرجو أن تؤتى ثمارها لتحقيق وحدة الأمة، فخصمنا لا يميّزُ بين إباضيٍّ، وبين زيديٍّ، وبين شيعيٍّ لأنه لا يستهدفُ مذهبًا دون مذهب، بل يستهدفُ “أصلَ الشجرة” التي نعيش جميعًا تحت ظِلالَها.
بعض الآراء الناتجة عن الجماعات المتطرفة أصبحت تتسرع في إصدار أحكام التكفير على البعض.. كيف ترون ذلك؟
للأسف هناك في عالمنا المعاصر من يعتقد أن الحل يتمثل في العنف والإرهاب والشدة والحكم على عقائد الآخرين وفي الغالب إخراجهم من الملة والحكم عليهم حكمًا سلبيًا في عقائدهم وفي حياتهم، وهذا في حقيقة الأمر خطوة أولى نحو استباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم، نحن كلنا نعرف أن هناك فكرًا متشددًا تمثله داعش، وتمثله القاعدة، وتمثله مجموعات متعددة للأسف انحرفت عن الفكر المعتدل الوسطي، ونحن في الأزهر الشريف نعتقد أن النموذج الصحيح للعالم المسلم الذي يضم في أحضانه، وينتمي إلى جسد الأمة ككل، ولا يُخرج أي منهم من ملة الإسلام، ولدينا الإمام أبو الحسن الأشعري صاحب المذهب الأشعري، الذي يقوم الأزهر على تدريسه وتأكيده ونشره وتعليم الناس إياه.
ما الدافع وراء إنشاء مركز الإمام الأشعري في هذا التوقيت تحديدًا، وما الفجوة الفكرية التي يسعى المركز إلى سدها؟
لا شكَّ أنَّ إنشاء مركز الإمام الأشعري قد جاء استجابةً لجملةٍ من الدوافع العلميَّة والفكريَّة لدى الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر إذ استهدف من خلاله إحياءَ مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، والعمل على تجديد الخطاب العقدي والفكري في ضوء أصوله الراسخة، إلى جانب مواجهة مظاهر التطرّف والانحراف الفكري، والتصدّي لما شاع من الخرافة والعشوائية في تناول أصول الدين، كما يسعى المركز إلى ترسيخ منهج الوسطيّة الذي يمثّل جوهر الإسلام، وتفعيل دور العلوم العقليّة والكلاميّة في التعامل مع التحديات الفكرية المعاصرة، ولا سيما ما يُثار من شبهات المستشرقين والمشكِّكين حول العقيدة الإسلامية.
أعلن الأزهر أن المذهب الأشعري يمثل «طوق نجاة للأمة في العصر الراهن»، كيف تشرحون هذا التوصيف للقارئ غير المتخصص؟
هذه العبارة يرددها دائما إمامنا الأكبر، وهو يقصد بها أن المشكلات التي تواجه الأمة في واقعنا المعاصر من تكفير وما يترتب عليه من قتل وتخريب علاجها الناجع في هذا المذهب؛ لأنه يجعل من السلام محور توجيهات الإسلام سواء في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق.
ما أبرز الأنشطة العلمية والفكرية التي قدمها المركز منذ إنشائه، وما خططه المستقبلية؟
المركز هو مركز بحثي فعمله الأساس هو البحث العلمي إلى جانب العديد من الأنشطة الأخرى، فالمركز له وحدات علمية تعمل على الجانب البحثي والعلمي، وقد صدر عن المركز خلال عامين إصدارات متعددة من تحقيق وتأليف وترجمة، كانت الأكثر مبيعا من بين إصدارات قطاعات الأزهر في جناح الأزهر الشريف في معرض القاهرة الدولي للكتاب سنتين متواليتين، الماضي والأخير، فإن دل هذا على شيء، فهو يدل على حيوية العقل الأزهري، وحرص علماء الأزهر ورجاله، سواء كانوا دعاة ووعاظًا أو أساتذة ومفكرين وأدباء ورجال فكر وبحث علمي، حرصهم على رسالتهم.
ولم يتوقف نشاط المركز عند الجانب البحثي وحده، بل امتد ليشمل أنشطة ثقافية وتدريبية داخل مصر وخارجها، تؤكد رسالته العلمية في بناء الإنسان أولًا، استجابة للمبادرة الرئاسية (بداية جديدة لبناء الإنسان) وترسيخ الفكر الأزهري الوسطي، وخدمة المجتمع البحثي والأكاديمي.
- ما الرسالة التي يوجهها الدكتور حسن الشافعي إلى الشباب الباحثين عن اليقين في زمن كثرت فيه الأسئلة والاضطرابات الفكرية؟
إن تاريخ الفكر الإنساني يُظهر أن مذاهب الشك والتشكك لم تكن هي الغالبة على الفكر الإنساني في أي مرحلة من المراحل، نعم، إنها هناك من عهد السوفسطائيين والشكاك الأوائل من قبل أرسطو وأفلاطون، ولكن كانوا على هامش الحياة الفكرية، وكان قادة الفكر وأصحاب المدارس الأصيلة في الفكر الفلسفي يدينون بعقيدة في الله أيا كانت، حتى لو لم تكن صحيحة مئة بالمئة، ولكن يكفي أنهم -من غير هداية من الوحي- يناصرون الاعتقاد الذي تقوم عليه الأديان الصحيحة والمنزلة فيما بعد.
أخيرًا: كيف تحبون أن يتذكر التاريخ الدكتور حسن الشافعي: العالم أم المجدد؟
باختصار إما عالمًا أو أكاديميًا فالأوراق تقول بذلك، أو الإعداد العلمي وشهادة الآخرين، ولكن مجددًا فلا، والتجديد مرتبة عليا ينتهي إليها الأئمة أو الموفقون من العلماء الكبار، وأنا أدنى من ذلك، ولا أزعم أنني بلغت رتبة التجديد، وقد كتبت عن المجددين المسلمين خلال الأربعة عشر قرنًا، وأعتقد أنني دون ذلك الكثير.
وأما الثالثة: وهي مدافعًا عن وسطية الأزهر، فنعم، فالأولى هي ما تقوله الأوراق –عالما أكاديميا-، والثانية –مجددا- ما لا أدعيه على الإطلاق، والثالثة: نعم هي دعوتي وفكري، وأعتقد أن فكر الأزهر الوسطي المعتدل القائم على مبادئ علم أصول الفقه سبيلًا لتفسير الكتاب والسنة هو العاصم الحقيقي للأجيال وللحياة العامة وللتنظيم الإنساني، وهذه رسالتنا نوجهها إلى الإنسانية بعد أن توجهنا بها إلى شبابنا.
