رئيس التحرير
عصام كامل

إيران.. والسلم والثعبان

18 حجم الخط

ماذا تابعتَ عزيزي القارئ خلال أيام عيد الفطر؟ سؤالٌ طرحته على بعض الأصدقاءِ والمعارف، فجاءتْ الإجابةُ الأكثرِ تكرارًا: تتبع تطورات الحرب الإيرانية وانعكاساتِها النارية على المنطقةِ؟ الصواريخ والضربات والخطابات المتوترة وما شوهد من أفلام ومسرحيّات، كان أبرزُها فيلم السلم والثعبان، والحقيقة أن هناكَ توافقًا كبيرًا بينَ إجابات أصدقائي وما دارَ في ذهني من توقِعاتٍ للسؤال..

تأكد الأمر من خلال ما تداوله الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت مقالات كبار المتخصصين في الشأنين السياسي والفني وآراء المؤثرين والعامة، مُشْكِلَةً صورة حيوية للوعي الجماعي بين الحرب كحدث عالمي خطير في تداعياته من جانب والحب من خلال قصة عاطفية مثيرة للجدل، فجاء العيد بين جدية سياسية وهزل فني.


لعبة السلم والثعبان.. ببساطتها الظاهرية، تعكس تمامًا تراكيب الحياة اليومية كميدانٍ مليء بالصعود السريع والسقوط المفاجئ، حيث يمثل السلم تلك الفرص الذهبية والإنجازات المُفاجئة مثل الترقية المهنية أو لقاء حبٍ صادق أو لحظة نجاح عائلي ترفعنا بسرعة إلى قمم الرضا والاستقرار، بينما يُجسّد الثعبان المصاعب والانتكاسات غير المتوقعة كفقدان وظيفة، خلافات عاطفية، أو أزمات صحية تنزل بنا إلى القاع فجأةً مهما بلغنا من الارتفاع.. 

 

الحياة كتلك اللعبة تتطلب صبرًا وإستراتيجية لتجنب الثعابين الكامنة، مع التمسك بالسلالم القليلة التي تُقربنا من النهاية السعيدة، فالتقدم ليس خطًا مستقيمًا بل رحلةً متعرجة تجمع بين الفرح العابر والألم المفاجئ، تذكّرنا دائمًا بأن السيطرة الكاملة وهمٌ والحظ أو ربما النصيب يلعب دوره الأبدي.


تشبه تطورات الحرب الإيرانية لعبة السلم والثعبان ببراعةٍ مذهلة، حيث تتقدم القوى المتصارعة صعودًا سريعًا عبر سُلّم الضربات الجوية الناجحة أو التحالفات الدولية المفاجئة التي تُقرّبها من أهداف استراتيجية كالسيطرة على مضيق هرمز أو إضعاف الخصوم، لكنها في لحظةٍ تأتي الثعابين المدوّية كالصواريخ المضادة أو العقوبات الاقتصادية أو الخيانات الداخلية فتنزل بها إلى القاع من جديد، محوّلةً المشهد من انتصارٍ وشيك إلى أزمةٍ خانقة.. 

 

الحياة السياسية والعسكرية في هذا الصراع، كما في اللعبة، ليست خطًا مستقيمًا بل متعرّجًا بالحظ والمخاطر، فإيران تتسلق سلّمًا بضرباتها لتتعثّر بثعبان ردود الأمريكيين، بينما يرتفع الخصوم ثم يسقطون في فخاخ الاستنزاف، مُذكِرين إيّانا أن الحرب رحلةٌ من التقدم العابر والانتكاس المُرّ، تحتمل الصبر والدهاء للوصول إلى النهاية دون أن يبتلعَكَ الثعبان الأخير.


أيضا الحياة الزوجية تشبه لعبة السلم والثعبان في دقةٍ مدهشة، حيث يمثل السلم تلك اللحظات السعيدة والمفاجآت الدافئة كليالي الحب المتجددة أو الإنجازات المشتركة التي تُرفع الزوجين معًا إلى قمم الانسجام والانبهار، فيتحول الروتين إلى مغامرةٍ عفوية تجعل الشريك يُعيدُ اكتشاف الآخرِ كعشيقٍ أبديّ.. 

بينما تُجسّدُ الثعابين الانتكاسات المُرّةَ كالخلافات اليومية أو الملل المتراكم أو الضغوطِ المادية التي تُسقِطُهُما فجأةً إلى قاعِ الإحباطِ والابتعادِ، الزواجُ كتلك اللعبةِ أيضا، والحفاظ على عنصر الانبهار بمثابة رحلة تجمع بين الحظ والإبداع للوصول إلى النهاية السعيدة دون أن أن يبتلعهما ثعبان الملل والروتين. 


يمتلك فيلم السلم والثعبان صورة بصرية أنيقة مع ديكورات حديثة تعكس البيئة الاجتماعية المرفهة، وهكذا اللعبة بما تحتويه من ألوان زاهية ولكن الفرق أن الجميع يستطيع اقتنائها بجنيهات معدودة، والحقيقة أنني اتفق مع فكرة الفيلم بعيدا عن أسلوب تناول الفكرة فمن أسس نجاح العلاقة الزوجية تحول الزوجة إلى عشيقة دائمة.. 

بما يتناسب مع الطرفين بإمكانياتهما وأفكارهما الخاصة، ويعكس هذا حلًا ناضجًا للحفاظ على الحيوية العاطفية داخل إطار الاستقرار الأسري بتحويل الزواج إلى مغامرة مستمرة تتجدد دوما بالإبداع والحرية المقيدة بالوفاء.

 
في المقابل، نجد أن طريقة طرح الفكرة أكثر قبولًا لدى أصحاب الطبقات المرتفعة ماديا حيث تسمح الرفاهية واليسر بتجربة مثل هذه الأفكار بحرية، بينما تظل الطبقات الدنيا بعيدة عن التفكير فيها أصلًا، بسبب أنها محملة بأعباء الحياة اليومية وهمومها الثقيلة التي تُغرق أي مجال للترفيه العاطفي أو الإبداعي.


ونعود مرة أخرى للعبة السلم والثعبان بحربُ إيران بتطوراتها الخطيرة والأهم أن تلك التطورات مجهولة تشبه اللعبة تماما، فمهما حاولنا التفكير في سيناريوهاتها المستقبلية واحتطنا بخطوات مدروسة، فإن الأمر قد أصبح بلا جدوى، إذ إن التوقع لم يعد مبنيا على أسس علمية بل على  نَرْدِ طَاوِلَةٍ يحمل الحظ الأعمى.. 

حيث الخطوة التالية قد تكون سلما يصعد بنا إلى الأمن وانتهاء الحرب، أو ثعبانا طويلا مدمرا يسقطنا من السطح إلى الهاوية المظلمة بلا رحمة، والأمر هنا لم يعد متعلقا بالأطراف المتصارعة فقط بل بالبشرية عامة في ظل التأثيرات الاقتصادية فادحة الضرر وكذلك التأثيرات الحربية شديدة الخطورة في ظل التلويج باستخدام الأسلحة النووية.

عزيزي القارئ.. حياتنا بشكل عام تشبه لعبة السلم والثعبان بعجيب صدق، سلالم الأفراح والإنجازات والرضا، وثعابين تكمن في كل زاوية بمصاعب مفاجئة، فيا رب اجعل حياتنا سلالم متتالية تصعد بنا للخير والأمان بلطفك وتوفيقك وأبعد عنا ثعابين الإنس والحياة برحمتك وعنايتك. 

الجريدة الرسمية