الحرب الإيرانية وبعض النخب الإعلامية
عندما كنا صغارا بالفرقة الثانية بقسم الصحافة بمقرر المعمل الصحفي، قام أستاذنا الفاضل الدكتور صلاح قبضايا بتقسيم الطلاب إلى مجموعات صغيرة، حيث يمنح الطالب الأول مادة صحفية جاهزة ويطلب منه إعادة صياغتها بأسلوبه الخاص، ثم يمرر النص المعاد صياغته إلى الطالب التالي ليفعل الشيء ذاته، وهكذا تستمر السلسلة حتى تعود إلى النقطة الأولى.
ذلك النشاط هو مثال حي على كيفية تعلم المعلومة وتحولها؛ فمع كل إعادة صياغة، تتحرف المعلومة الأصلية تدريجيًا، وتتلون بآراء الكاتب الجديد، وقد تُضاف إليها تفاصيل أو تُحذف أجزاء أساسية، مما يبرز مخاطر التحيزات والتأثيرات الإعلامية في تشويه الحقائق.
وهذا بالضبط ما يحدث يوميًا في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الأخبار من مستخدم إلى آخر عبر الإعجابات والمشاركات والتعليقات، فتتحول إلى شائعات ملونة أو أكاذيب مصممة لجذب الانتباه، مما يؤكد أهمية التحقق من المصادر قبل النشر.
ومن الغريب حقًا أن يحدث هذا التحريف للمعلومات حتى بين بعض من النخب الإعلامية والصحفيين المحترفين، الذين يُفترض أن يكونوا أكثر حرصًا على دقة الحقائق وعدم اختلاط الرأي بالمعلومة رغم مسؤوليتهم عن صياغة التحليلات والسيناريوهات المستقبلية على أساس حقائق داعمة، وليس بناءً على تصورات واهمة أو تخيلات شخصية أو أنماط مقولبة في التفكير.
حرب إيران المندلعة حاليا هي خير نموذج لما طرحته في السطور السابقة، حيث الروايات المتضاربة والتحيزات السياسية، والأمر ليس مرتبطا بإعلامنا العربي فقط، فالأفكار المؤدلجة سادت بالإعلام الغربي أيضا، حيث ركزت صحف مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز على فشل الضربات الأمريكية في إيقاف البرنامج النووي الإيراني لأشهر فقط، مما دفع للمطالبة بمزيد من الهجمات، مصورة إيران كشر مطلق بأسلوب شرقي متحيز.
في المقابل نجد وكالات الأنباء الإيرانية مثل فارس تصوغ أخبارها دوما تحت مبدأ مظلومية الحرب والدفاع المقدس، والانتقام القاسي، مما حول الردود العسكرية إلى سرد بطولي يخلط بين الحقائق والدعاية.
بينما وصفت صحيفة هآرتس الهجمات الإسرائيلية بـأنها ضربة استباقية ناجحة للغاية تحت رقابة عسكرية صارمة، ثم تساءلت بعد ذلك عن جدواها سياسيًا، مما يظهر انقسامًا داخليًا يعتمد على الرواية الرسمية أكثر من التحقق المستقل.
هذا بخلاف آفة العصر والمقصود هنا الاستخدامات غير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، كصنع فيديوهات مفبركة عن خطب للرؤساء أو تحركات للجيوش، وصنع مظاهرات بهدف الدعم الشعبي وغيرها، الأمر الذي يغذي حربًا إعلامية أخرى موازية.
هذه الأمثلة تؤكد كيف تتحول الحرب إلى أداة للرأي، بهدف تعبئة الرأى العام من جهة وتشويه الوعي العام من جهة أخرى، هذا الأمر ليس مرتبطا فقط بما يحدث بالحرب الآنية ولكن يمكن تعميمه خاصة أثناء الحروب والصراعات، وهذا ما أكدته العديد من الدراسات منها دراسة أجرتها عن تعرض الجمهور للإغراق المعلوماتي خلال الحرب الروسية الأوكرانية.
هذا بخلاف ما تقوم به نخب إعلامية من ادعاء للبطولة والمزايدة على مواقع التواصل الاجتماعي خلف شاشات هواتفها، دون مراعاة لمقتضيات المصلحة الوطنية ويأتي ذلك في إطار سعيها لكسب إعجاب الجمهور بأي ثمن، بغض النظر عن التبعات.
هنا عزيزي المواطن.. الثقة في قيادتنا السياسية هي الخيار الأمثل والأكثر حكمة في موقف كهذا، إذ أن جميع المعلومات الحساسة والملفات الاستراتيجية غير متاحة للعامة، مما يجعل أي تحليل إعلامي أو توقعات بسيناريوهات جازمة مجرد تكهنات غير مدعومة.
فتطورات الحرب الإيرانية تظل غامضة وعبثية وغير قابلة للتنبؤ الدقيق إذ إنها كلها احتمالات؛ والتقييم الشامل للمشهد لا يمكن اختزاله في لحظية الوقائع الآنية، وفي ظل هذا الغموض، يصبح التمسك بالصبر الوطني والثقة في القيادة السياسية السبيل الأسلم للحفاظ على المصلحة العليا، بعيدًا عن ضجيج الآراء المتحيزة أو المتسرعة.
