ما حذر منه نور الشريف!
لم يكن نور الشريف مجرد ممثلٍ لامعٍ في تاريخ الدراما العربية، بل كان فنانًا مثقفًا يمتلك حسًا سياسيًا ووعيًا مبكرًا بما قد يواجهه العالم العربي من مخاطر. فقد حذر في أكثر من مناسبة من أن أخطر ما يمكن أن يصيب المنطقة ليس حربًا خارجية تقليدية، بل صراع داخلي بين المسلمين أنفسهم، وتحديدًا حرب طائفية بين السنّة والشيعة إذا تُركت الخلافات تتفاقم دون وعي أو حكمة من قادة العالم الإسلامي.
كان يرى أن مثل هذه الفتنة لن تقع فجأة، بل ستأتي نتيجة تخطيط طويل من قوى تدرك أن تفتيت المنطقة من الداخل هو الطريق الأسهل لإضعافها والسيطرة عليها.
هذا التحذير الذي أطلقه نور الشريف لم يكن مجرد رأي عابر، بل قراءة مبكرة لمسار يجري الإعداد له منذ سنوات. فقد كان يؤكد أن بعض التيارات التي ترفع شعارات دينية أسهمت -بوعي أو بغير وعي- في تشويه صورة الإسلام وإذكاء الانقسام بين المسلمين، محذرًا من أن من يظن نفسه بعيدًا عن نار الفتنة سيكون أول من يكتوي بها عندما تشتعل.
ولو امتد العمر بـ نور الشريف حتى اليوم، لربما وجد في المشهد الإقليمي الراهن ما يعزز مخاوفه القديمة. فالتوتر المتصاعد بين إيران وبعض الدول العربية في الخليج، والهجمات الغامضة والطائرات المسيّرة مجهولة المصدر، كلها مؤشرات على نمط جديد من الصراعات تُدار من خلف الستار.
فالحروب الحديثة لم تعد تبدأ بإعلان رسمي، بل بسلسلة من العمليات الرمادية التي تُنفذ بطريقة تسمح بإلصاق التهمة بطرف معين بينما يبقى المخطط الحقيقي بعيدًا عن الاتهام المباشر.
وفي قراءة واقعية للمشهد، فإن إشعال حرب بين العرب وإيران سيكون بمثابة الكارثة الكبرى التي طالما حذر منها العقلاء. فمثل هذا الصراع لن يخرج منه أحد منتصرًا؛ إذ ستُستنزف موارد الخليج الاقتصادية، وتُستدرج إيران إلى حرب طويلة، وتغرق المنطقة كلها في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار.
لكن السؤال الأهم يظل: من المستفيد؟ الإجابة ليست معقدة؛ فكل صراع عربي- إيراني واسع سيصب في مصلحة طرف واحد بالدرجة الأولى، وهو إسرائيل التي ستجد نفسها القوة الأكثر تماسكًا في منطقة أنهكتها الحروب، بينما تستفيد القوى الغربية الكبرى من سباق التسلح واستنزاف الجميع.
إن استراتيجية “دَعْهُم يقتتلون” ليست جديدة في السياسة الدولية، لكنها تبدو اليوم أكثر حضورًا في الشرق الأوسط. فإشعال صراع عربي- إيراني يعني ببساطة إضعاف جميع القوى الإقليمية الكبرى في آنٍ واحد، وإعادة تشكيل موازين القوى بما يسمح لتل أبيب بأن تتقدم خطوة أخرى نحو الهيمنة الإقليمية.
من هنا تبدو تحذيرات نور الشريف وكأنها رسالة متجددة إلى صناع القرار في المنطقة: إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنجح مخططات الخارج في تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية بين شعوب المنطقة. فإذا اشتعلت تلك الحرب فلن يكون هناك منتصر حقيقي، بل خرائط جديدة من الدمار، بينما يقف آخرون بعيدًا يراقبون المشهد ويحصون المكاسب.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العقلاء اليوم قبل الغد: هل يدرك العرب والإيرانيون حجم الفخ المنصوب لهم؟ وهل يمتلك صناع القرار الشجاعة الكافية لتفويت الفرصة على من يريد للمنطقة أن تشتعل ليبقى هو وحده الرابح؟
