في ذكرى رحيل العقاد.. كامل زهيري يذكر الدولة بواجبها تجاه تراث الأدباء.. يقترح مشروع “عاش هنا” منذ 60 عاما.. ويطالب بتكريم رموز الثقافة
كان الأديب عباس محمود العقاد ــ رحل فى مثل هذا اليوم 12 مارس عام 1964 ــ معتزا بمكتبته لدرجة أنه أصدر كتابا بعنوان "في بيتى" اصطحب فيه القارئ بجولة بين رفوف مكتبته، فمكتبته ليست كأية مكتبة، فهى روحه وعالمه الخاص الذى صاحب فيه شتى فنون الآداب والتاريخ والفكر والعقيدة والسياسة؛ فأخرج لنا نفائس المؤلفات.
وفى إحدى الزوايا الصغيرة بقصر ثقافة عباس محمود العقاد بمحافظة أسوان، داخل متحف صغير توجد حاليا أغلب مقتنيات الأديب عباس محمود العقاد، فتضم هذه الحجرة الصغيرة الكثير من مؤلفاته وملابسه والصور التى توضح رحلة عمره حتى وافته المنية، ويضم قصر ثقافة العقاد أيضا مكتبة عامة ملحقة بالقصر تضم أهم المؤلفات والروايات فى مختلف المجالات لعظماء الأدب، كما يحتوى المتحف على أهم الكتب التى حرص "العقاد" على قراءتها وغالبيتها مؤلفات باللغة الإنجليزية التى تعلمها العقاد بنفسه وتفوق فى إجادتها.
نزاع بين الورثة ومالك الشقة فى المحاكم
ولمكتبة الأديب عباس محمود العقاد قصة أثارت جدلا واسعا وقت أن رحل العقاد منتصف الستينات نشرت مجلة الإذاعة والتليفزيون فى مارس عام 1968 قصة تراث العقاد ومكتبته، قضية مثل غيرها فى المحاكم عن إيجارات المساكن القديمة وهى تعد أكثر القضايا شيوعا بالرغم من أنها ليست قضية عادية، فالمسكن المتنازع عليه ليس أى مسكن لأى واحد من الناس، وإنما هو بالتحديد أشهر أدباء القرن العشرين حيث مكتبته التى تحوى أكثر من عشرين ألف كتاب، إلى جانب عصاه وأسطواناته.

ففى المنزل رقم 13 شارع شفيق غوربال ــ سليم الأول حاليا ــ بمصر الجديدة سكن الأديب الكبير عباس محمود العقاد، تبدأ حكاية العقاد مع منزله حين استأجره من أول أكتوبر عام 1926 من السيد مراد بإيجار شهرى 3 جنيهات مصرية و68 قرشا وخمس مليمات، وذلك بقصد استعمالها سكنا خاصا له، واستمر العقاد ساكنا بها حتى وفاته فى 12 مارس 1964، أى مايقرب من أربعين عاما.
ورثة العقاد فى نزاع على الشقة
ولما رحل العقاد ترك كتبه وآثاره وظلت الشقة مغلقة، وفى عام 1964 اشترى المنزل بأكمله أبناء الدكتور أحمد عبد السلام الكردانى، وطالبوا كملاك إخلاء الشقة رقم 3 الخاصة بالعقاد من أثاثه وكتبه لاستخدامها كسكن، تمسك ورثة العقاد بالشقة التى تضم مكتبته.
تشكيل لجنة من دار الكتب
أقامت مجلة الإذاعة حملة لإنقاذ مكتبة العقاد من الضياع، وكانت النتيجة أن أمر الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة بشراء المكتبة وتشكيل لجنة خاصة من دار الكتب لتقدير قيمة مكتبة العقاد، طلب ثروت عكاشة من المدير العام لدار الكتب أحمد عابدين باتخاذ الإجراءات على الفور بشراء المكتبة عن طريق اللجان الفنية وعرض الأمر على المجلس الأعلى للآثار للنظر فى موضوع الإفادة على أن توضع المكتبة فى إحدى المكتبات الفرعية لدار الكتب، وقد زارت اللجنة منزل العقاد وقامت بحصر شامل للمكتبة التى زاد عدد كتبها عن عشرين ألف كتاب.

وقد جاءت تعليقات الكتاب والصحفيين على الأمر، فقال الصحفى كامل زهيرى ــ رئيس تحريرالهلال: أتمنى أن أسير فى القاهرة يوما وأرى لوحات من الرخام تقول إنه عاش هنا الدكتور طه حسين، هنا يسكن العقاد، أو توفيق الحكيم أو غيره من الأدباء والمفكرين حتى يفهم الشباب أن الدولة تقدر وتكرم أدباءها ومفكريها.
جزء من كيان الأمة
وقال الكاتب عبد المنعم الصاوى: عباس محمود العقاد جزء من كيان الأمة وضميرها عاش حياته كلها كاتبا مناضلا وسجل فيها مواقف مليئة بالحرية والفكر والنضال فى سبيل حرية الرأى، فهو أحد أساتذة هذا الجيل الذين شكلوا ثقافته ومكتبته هى عالمه، فهى حياته الحقيقية التى أضاءت عقله ووجدانه ومنها يمكن أن ندرك جوانب شخصية العقاد.

وقال الشاعر صالح جودت وكان صديقا مقربا: اجتمعنا فى لجنة الشعر وقررت مناشدة الدولة أن تبادر بالتحفظ على مكتبة العقاد فور رحيله على أن تلى ذلك إجراءات شرائها والانتفاع بها فى مكان خاص مثل دار الكتب، أو فى مكتبة تنشأ بجوار قبره بأسوان خاصة وأن مكتبة العقاد أغنى مكتبة شخصية فى الشرق العربى كله، أفنى فيها العقاد كل ماملكه إضافة إلى مافيها من كتب نادرة ومخطوطات لا تعوض.
مزاد علنى لبيع كتب العقاد
وقال الكاتب السياسى محمد عودة: حتى لو استولت وزارة الثقافة على مكتبة عباس محمود العقاد، هل نضمن إفادة الجماهير من هذه المكتبة العظيمة، أم أن المكتبة ستوضع فى حجرة من الحجرات ويغلق عليها للحفاظ على ما تحتويه، ولكنى أقترح بدلا من ذلك أن تباع المكتبة بالمزاد العلنى للمثقفين بحيث يشترى كل واحد احتياجاته من قراءات ومؤلفات العقاد وحفاظا على اسم العقاد يختم على كل كتاب اسم العقاد.
المسئولية فى يد وزير الثقافة
وقال الكاتب الصحفى صلاح حافظ: لا يوجد مقارنة بين تكاليف مكتبة العقاد، وأتعجب من أن الدولة حتى الآن رغم وفاة العقاد منذ أربع سنوات لم تفكر فى مصير المكتبة، وكل جهة تلقى المسئولية على الأخرى والحل فى رأيى فى قرر من وزير الثقافة ولن يخيب أملنا.
وقال الشاعر صباح عبد الصبور: أن تقام مكتبة عامة باسم عباس محمود العقاد على أن تكون كتب العقاد نواة لها وتوضع فى مكان معروف بالنسبة للشعب ليزورها..هذا لو أقيمت فى القاهرة، أما إذا اقيمت فى أسوان كمسقط لرأس العقاد هناك يكون مجال للإفادة لسكان الصعيد وعمال السد العالى.

وتعلق المفكرة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد: يا قلة رصيدنا من الوفاء ومن الذكاء أيضا، إن مكتبة العقاد الذى كان أغزر علما وفكرا واوسعنا ثقافة، مهمة جليلة من مهام الدولة الثقافية وورائها خمس جامعات ومجلس أعلى للآداب والفنون، والدول المتحضرة تقيم متحفا يعلى للناس صورة مشرفة لقيمنا، قيم العصامية والصبر والمعاناة وتعطى للأجيال زادا من هذه الصفات يدفعها بالقدوة والمقل الرفيع.
العقاد يتحدث عن قيمة بيته
يقول الأديب عباس محمود العقاد عن بيته فى كتابه "بيتى" فى هذا البيت كتبت خير كتبى وأحبها إلى، وقد عشت فى تلك الكتب عيشا حيا لباقى الآثار قبل أن أنقلها من عالم النفس إلى عالم الأوراق، وهذا المسكن قد صعدت سلالمه ثلاثا ثلاثا ثم صعدتها اثنتين اثنتين، ثم أصعده درجة درجة على غير عجلة ولا اكتراث هذا المسكن قد نزلت به والشعرات البيض يتوارين فى السواد، وما زلت أنزل به والشعرات السود يتوارين فى البياض، استقبلت فى بيتى آمالا واستحييت ذكريات، ومن غار على ذخيرة آماله ومواطن ذكرياته فقد يغلو على مواطنها أن تستباح من بعده.
القضية قضية تراث وليست شقة
وفى النهاية القضية ليست قضية الشقة لكنها قضية تراث لقيمة هذه الشقة، قضية كتب وليست قضية جدران وهى مهددة بالضياع مثلها مثل أى مكتبة أديب أو مفكر أو عالم حياته فى مكتبته .
