البابا تواضروس: التوبة الحقيقية هي الرجوع للحرية وليست مجرد شعور بالندم
قال قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، خلال حديثه عن الصوم المقدس: "التوبة الحقيقية هي الرجوع للحرية وليست مجرد شعور بالندم على الخطايا"، موضحًا أن قصص الابن الضال، السامرية، المخلع والمولود أعمى تمثل قلب الصوم المقدس، وتعيد رسم علاقة الإنسان بالخطية في أربع حلقات أساسية: الاختيار، التكرار، الاستمرار، والمرار، مؤكدًا أن أهم سمة مشتركة بينهم أننا لا نعرف أسماءهم، ما يجعلهم رمزًا لكل إنسان وتجربته الروحية.
الابن الضال
وأشار البابا تواضروس الثانى إلى دروس مَثَل الابن الضال، موضحًا أن الحرية عطية إلهية وليست فوضى شخصية، وأن الإنسان يحصل على الحرية الحقيقية من الله عبر الوصية، معتبرًا أن اختيار الإنسان الحر مسؤولية كبيرة، مستشهدًا بقول القديس أغسطينوس: "كنت أظن نفسي حرة بينما كنت عبدًا لشهواتي".
وأضاف أن ما يوافق الإنسان أحيانًا قد يستعبده، فالابن الضال خرج بإرادته نحو الحرية لكنه اكتشف أنه دخل العبودية وفقد كل شيء عدا الرجاء، كما يوضح القديس يوحنا ذهبي الفم: "مَنْ خضع لشهوة صغيرة صار عبدًا لسيدٍ كبير".
وتناول البابا تواضروس الثانى مسار الخطية وكيف تبدأ بفكرة بسيطة، ثم الاقتناع بها، مرورًا بالرغبة، وصولًا إلى القرار والفعل، وما يليه من عادة تتحول إلى عبودية روحية، مؤكدًا على قول الإنجيل: "إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ". وأكد أن الرجوع والاعتراف بالخطية هو الحرية الحقيقية، مستشهدًا بموقف بطرس عندما "بكى بكاءً مرًا"، مما يعكس قوة التوبة العملية والروحية.
كما حدد البابا صفات التوبة الحقيقية الثلاثة: أولًا بلا زمان، فهي تصلح لأي مرحلة عمرية ولا تحتمل التأجيل، كما فعل زكا العشار الذي قدم نصف أمواله للفقراء وعوض من أساء إليهم. ثانيًا بلا مكان، فالمسافة أو البيئة أو الظروف لا تمنع العودة إلى الله، كما يظهر في قصة زكا العشار عند رجوعه إلى بيت أبيه. ثالثًا بلا أعذار أو تبرير، فالابن الأكبر برّر نفسه ورفض المشاركة في الفرح، بينما داود اعترف بخطئه قائلًا: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ".
وأضاف البابا أن الاختيار الصادق يبني شخصية الإنسان ويقدمه خطوة للأمام، وأن كل فعل يجب أن يمجد الله ولا يقيّد حرية الإنسان، مستشهدًا بقول الرسول: "فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ" و"لَا تَصِيرُوا عَبِيدًا لِلنَّاسِ". وأكد أن التوبة الحقيقية هي مسار روحي عملي يربط الحرية بالمسؤولية، ويحول الاختيار البشري إلى أداة للنمو الروحي والاجتماعي، ويعيد الإنسان إلى علاقة صحيحة مع الله ومع نفسه ومع الآخرين.



