رئيس التحرير
عصام كامل

في ذكرى مولده، محطات من سيرة الإمام "البوصيري" صاحب قصيدة البردة

مسجد البوصيري
مسجد البوصيري
18 حجم الخط

 تحتفل الطرق الصوفية وأهالي الإسكندرية في الرابع عشر من رمضان  بمولد ” الإمام البوصيري، صاحب قصيدة البردة المحمدية، تحت رعاية ومسئولية الطريقة البيومية الأحمدية، ويتم الاحتفال بمولد الإمام البوصيري لليلة واحدة، بمسجده في الإسكندرية وفيما يلي نستعرض معكم بعضا من سيرة الإمام البوصيري وأشهر مؤلفاته.

من هو البوصيري؟

هو محمد بن سعيد، واختلف المؤرخون وأصحاب التراجم في بقية نسبه. كانت كنيته “أبا عبد الله”، ولقب نفسه بشرف الدين كما كانت عادة أهل عصره.

وُلد يوم الثلاثاء، أول شوال سنة ستمائة وثمانٍ من الهجرة، في صعيد مصر، في بلدة اسمها “بوصير” تقع بين الفيوم وبني سويف، لكن أصله يرجع إلى قبيلة صنهاجة التي عاشت وقتها في  بلاد المغرب العربي.

سفره للقاهرة وعملها بها

نشأ الإمام البوصيري كما كان أغلب الأطفال المسلمين وقتها، بحفظ القرآن، ثم سافر إلى القاهرة والتحق بمدرسة تابعة لأحد المساجد وتعلم علوم اللغة من نحو وصرف وعروض وأدب، بالإضافة إلى التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية والفقه وأصوله والحديث وعلومه. 

كما تعلم بعض أساسيات الحساب، ولم يكتفِ بتلك العلوم، بل بدأ يقرأ في الأديان الأخرى وشرائعها وتاريخها ويُروى عنه أنه كان يكثر من الجدالات مع المسيحيين واليهود من أهل مصر وقتها، وكان مُولعًا بالرد عليهم حتى إنه يشير إلى بطلان عقيدتهم وهو يمتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في البُردة،

اضطر للعمل كخطاط يكتب على ألواح القبور أسماء الموتى. وظل يعمل بها فترة من الزمن ليست بقصيرة، لكن بعد فترة تركها لأن العائد منها لم يكن على قدر المسؤوليات، ورغم تركه لتلك المهنة، إلا أنها تركت في نفسه أثرًا كبيرًا، سواء في رحلته لعلماء المتصوفة في زمانه، أو لزهده في الدنيا، أو حتى في أشعاره، 

 ويقال إنه  خلال فترة طلبه للعلم أهلته فتح كُتَّابًا بالقاهرة، حيث كانت من عادة ذلك الزمان أن الكُتَّاب ليس لتحفيظ القرآن فقط، بل لتعليم مبادئ العلوم العربية والإسلامية ومبادئ الحساب لكنه أيضا لم يستمر طويلًا في فتح الكُتَّاب لأن المال الذي يأتيه منه ليس على قدر المسؤوليات. 

وفي شعره واقعة طريفة حدثت وقت أن كان يعلم الطلاب الصغار في الكُتَّاب، إذ كانت هناك مكافأة لكل أصحاب الكتاتيب من الملك الصالح نجم الدين أيوب، لكن علم البوصيري أن سبب عدم وصولها إليه هو أنها سُرقت من المسؤولين العاملين حول الملك، فنظم يقول:

“ليت شعري ما مقتضى حرماني دون غيري والإلف للرحمن
أتراني لا أستحق لكوني جامعًا شمل قارئي القرآن
أم لكوني في إثرِ كل صلاة بي يُدعى لدولة السلطان“

بعد أن أغلق الكُتَّاب بحث عن عمل وتم ترشيحه لأن يكون قاضي حسبة، لكنه رفض أن يكون محتسبًا على الأسواق،و ذهب ليعمل بإحدى الوظائف الحكومية في الشرقية، وهذه المرة كان البوصيري سعيدًا لفترة من الزمن، لكن لم تطق نفس البوصيري الإكمال في تلك الوظيفة بسبب السرقة والفساد المنتشر.

بعد تركه لتلك الوظيفة، فَضَّلَ أن يسافر إلى الإسكندرية ليتلقى بعض علوم التصوف، فلقد زهد في الدنيا مما رآه منها. فذهب للتعلم من الإمام أبي الحسن الشاذلي -إليه تُنسب الطريقة الشاذلية-، ولما مات ذهب للشيخ المرسي أبي العباس، ورافق الإمام ابن عطاء الله السكندري في طلب العلم من الشيخ المرسي أبي العباس.

 قصة إنشاد البردة

اهتم البوصيري بدراسة السيرة النبوية، وألم بتفاصيل حياة النبي (صلى الله عليه وآله) فنذر عمره وسخّر شعره في مدحه (ص)

واشتهر بقصيدة (البردة في مدح النبي صلى الله عليه وآله) والتي سميت باسمه وتسمى أيضا بـ (الكواكب الدرية في مدح خير البرية) و(المبرأة) وتبلغ (160) بيتًا وقد لاقت هذه القصيدة اهتمامًا كبيرًا، وكان لها صدى واسعًا بين الناس منذ عهد البوصيري إلى الآن ونسج عليها كثير من الشعراء، وترجمت إلى العديد من اللغات منها الفارسية، والألمانية، والفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية، والأوردية، والتترية والتركية كما شرحها كثير من الأعلام. 

وقد روي عن البوصيري في قصة كتابته لهذه القصيدة قوله: (أصبت بالفالج ــ الشلل ــ في نصف أعضائي، وقد نظمت قصائد في مدح النبي (ص) من قبل، ففكرت أن أنظم قصيدة بالمناسبة، فعملت قصيدة في مدح الرسول (ص)، واستشفعت به إلى الله عز وجل في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت، ودعوت، وتوسلت به، ونمت.

يُضيف البوصيري: «عندما انتهيت من إنشاد البردة، رأيت النبي ﷺ، في المنام، فأنشدتها بين يديه. لما انتهيت إلى البيت: فمبلغ العلم فيه أنه بشر، سكتُّ، ولم أقدر على تكملة البيت.

قال النبي: اقرأ.

قلت: يا رسول الله، إنني لم أوفق للمصراع.

– قل: وإنه خير خلق الله كلهم.

أدرجت المصراع في البيت المتقدم. جعلته صلاة متكررة بعد كل بيت، حرصًا على لفظة ﷺ.

مسح النبي وجهي بيده المباركة، وألقى عليَّ بردة، فانتبهت ووجدت فيَّ نهضة.

ذاع خبرُ البردة. بلغ الصاحب بن بهاء وزير السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري. استدعى البوصيري. طلب منه أن يُنشد البردة.و أن يكتب القصيدة بخط يد البوصيري. احتفظ بها، متبركًا. وظل يقرؤها في المناسبات، حتى مات، فاحتفظ بها ابنه.

أفضال البردة

أُشيع عن أفضال البردة ما لا حصر له، هي العمدة في حلقات الذكر، والإنشاد، والقصائد، والمدائح النبوية. تحكم الشرع، وتضبطه، تشفي من الأمراض، تفرج الكروب، تسهل الأمور العسيرة، تصفي القلب، تطهر النفس بدوام الذكر والمجاهدة.

ظلت حلقات الدرس في الأزهر الشريف تدرس البردة — لسنوات طويلة — يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع. البردة، أو القصيدة الميمية، مكتوبة بماء الذهب أعلى جدران جامع البوصيري.

أفلح البوصيري في أن ينال — بما كتبه في الشعر والنثر — حظوة عند الطبقة الحاكمة. يقول ابن حجر: «كان البوصيري — رحمه الله تعالى — من عجائب الله في النظم والنثر، وإن لم يكن له إلا قصيدته المشهورة بالبردة، لكفاه فخرًا، وكذلك قصيدته الهمزية البديعة.» 

يقول في هذه القصيدة

مـــــــحمدٌ سيدُّ الكونينِ والثَّقَلَيْـ     ـنِ والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ

نبينَّا الآمــــــــرُ الناهي فلا أحدٌ      أبَرَّ في قَوْلِ «لا» مِنْهُ وَلا «نَعَمِ»

هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ      لِكــــــــلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ 

وفاة البوصيري

توفي البوصيري في الإسكندرية ودفن بمسجده الذي سمي باسمه قرب قبر أستاذه المرسي، وقد ترك ديوانًا شعريًا حققه محمد سيد كيلاني وطُبع بالقاهرة سنة 1955م وقد احتوى ديوانه على 3293 بيتًا. 

الجريدة الرسمية