رئيس التحرير
عصام كامل

بعد اقتراحه بخصم 200 جنيه من طلاب المدارس الخاصة لبناء منشآت تعليمية جديدة.. قصة الصعود الغامض لـ “ملياردير التعليم” نبيل دعبس.. ولماذا رفضت الكويت الاعتراف بشهادة مؤسساته؟

نبيل دعبس، فيتو
نبيل دعبس، فيتو
18 حجم الخط

في الوقت الذي تنتظر فيه الأسر المصرية انفراجة في الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وتكافح لتدبير مصاريف المدارس التي نهبت الأخضر واليابس من ميزانية “البيوت المستورة”، خرج علينا منذ فترة النائب نبيل دعبس، رئيس لجنة التعليم والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس الشيوخ، باقتراح أثار عاصفة من الجدل والغضب، ليس فقط لكونه يمس جيوب المواطنين، بل لأنه يكرس لمبدأ تحميل أولياء الأمور مهام ومسؤوليات الحكومة.

صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي
صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي

مقترح مثير لـ “ملياردير التعليم”

“ملياردير التعليم” المعروف قدم مقترحًا غريبًا طالب فيه بخصم مبلغ 200 جنيه سنويًّا من كل طالب في المدارس الخاصة لصالح صندوق هيئة الأبنية التعليمية، زاعمًا أن هذا الإجراء يمكن أن يضخ 10 مليارات جنيه سنويًّا لبناء مدارس جديدة.

صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي
صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي

الاقتراح هذا، قوبل باستهجان شديد من أولياء أمور طلاب المدارس الخاصة، واعتبروه محاولة من دعبس لرفع الحرج عن الحكومة وتمويل إنشاء المدارس من جيوب الغلابة، خصوصًا أن الدستور المصري في مادته (19) يلزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم، والنائب بدلًا من محاسبة الحكومة على تقاعسها عن بناء المدارس، قرر تحميل العبء على المواطن، وتناسى أن إنشاء المدارس وصيانتها وتطويرها جزء أصيل من مهمة الدولة.

دعبس برر مقترحه بالحديث عن مدارس مصاريفها 30 ألف جنيه كأنها القاعدة، متجاهلًا أن قطاعًا عريضًا من المدارس الخاصة “عادية ولغات” يخدم الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تعاني أصلًا من  الزيادات السنوية في المصاريف والكتب والباص، ويحاول الآباء من خلالها الهروب من الكثافات المرتفعة في فصول المدارس الحكومية، وبدلًا من أن ينحاز النائب إلى الشعب ويحث الحكومة على القيام بمسؤلياتها، اختار الطريق السهل والحل المريح، بتحميل الناس فشل الحكومات المتعاقبة في توفير مقاعد دراسية جديدة.

صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي
صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي

رحلة الصعود الغامض لـ نبيل دعبس 

لا يمكن فهم عقلية  النائب نبيل دعبس، دون النظر إلى تاريخه كأحد أباطرة “بيزنس التعليم” في مصر، فهو رئيس مجلس إدارة “مودرن جروب” التي تمتلك تمتلك إمبراطورية تعليمية منها مودرن أكاديمي والأكاديمية الحديثة للعلوم والتكنولوجيا وجامعة mti، واستطاع بمهارة يحسد عليها أن يدمج بين “المال، والتعليم، والسياسة”؛ بدأ قياديًّا في الحزب الوطني المنحل، ثم أسس حزب “مصر الحديثة”، ليصل إلى رئاسة لجنة التعليم في الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الشيوخ)، وهو ما يراه خصومه “تضاربًا صارخًا في المصالح”؛ إذ كيف لمستثمر في التعليم الخاص أن يشرع قوانين تراقب هذا القطاع أو تمسه؟

صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي
صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي

سر عدم اعتراف الكويت بشهادات مؤسسات نبيل دعبس

واحدة من أكثر النقاط سوادًا في تاريخ المؤسسات التعليمية التابعة لدعبس، هي أزمة سحب الاعتراف بالشهادات المصرية في بعض دول الخليج، وعلى رأسها دولة الكويت، التي أصدرت وزارة التعليم العالي فيها منذ فترة قرارات بمنع اعتماد شهادات الحقوق والهندسة من عدة جامعات وأكاديميات خاصة في مصر، وكانت أسماء المؤسسات التعليمية المملوكة له تتردد بقوة في تقارير اللجان الفنية الكويتية التي رأت أن المخرجات التعليمية لا تتناسب مع المعايير المطلوبة، بالإضافة إلى تلميحات عن شبهة تزوير بعض الشهادات، ومنحها أون لاين لبعض الطلاب دون حضور مقابل مبالغ مالية مرتفعة.

صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي
صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي

تشويه لسمعة التعليم العالي المصري بالخارج

هذه الأزمة لم تكن مجرد مشكلة إدارية، بل كانت “لطمة” لسمعة التعليم العالي المصري بالخارج، وتسببت في ضياع مستقبل مئات الطلاب الذين اكتشفوا أن شهاداتهم “حبر على ورق” في دول العمل.

لا يواجه نبيل دعبس انتقادات شعبية فحسب، بل يواجه هجومًا شرسًا من خصومه السياسيين وخبراء التعليم، وتتلخص أبرز الاتهامات في أنه يستخدم منصبه لتمرير تشريعات تخدم كبار المستثمرين في التعليم، بدلًا من الدفاع عن حق الطالب الفقير في تعليم مجاني بجودة عالية.

ويرى المنتقدون أن اقتراح الـ 200 جنيه يعكس عقلية “التاجر” الذي يبحث عن السيولة من جيوب الزبائن (أولياء الأمور) بدلًا من البحث عن حلول اقتصادية مبتكرة من ميزانية الدولة أو عبر فرض ضرائب تصاعدية على أرباح الجامعات الخاصة الكبرى التي يمتلك هو إحداها.

تضارب المصالح تحت القبة 

كما أنه بصفته رئيسًا للجنة التعليم، يُسأل دعبس عن غياب الرقابة على “مافيا المصروفات” في المدارس الدولية والخاصة، والتي تضرب بقرارات وزير التربية والتعليم عرض الحائط سنويًّا.

تزاوج المال بالسلطة

نموذج الدكتور نبيل دعبس، هو مثال صارخ على تزاوج المال بالسلطة، فالرجل الذي يمتلك إمبراطورية تعليمية متشعبة، كان ظهوره في المشهد السياسي قبيل ثورة 25 يناير بسنوات، حين انضم إلى الحزب الوطني، مستغلًا فتح الحزب أبوابه لرجال المال والأعمال، وأدرك مبكرًا أن أمواله ستفتح له الأبواب المغلقة، وستجعله يصل إلى أعلى المراتب، والحقيقة أن الرجل لم يبخل، أنفق ملايين الجنيهات على أنشطة الحزب، ومول العديد والعديد من الخدمات والحملات المجتمعية التي كان رجال جمال مبارك يشرفون عليها.

استغل دعبس ذكاءه التنظيمي وقربه من دوائر صنع القرار ليصبح عضوًا بارزًا في الحزب، وخلال هذه الفترة، أدرك أن “التعليم الخاص” هو الحصان الرابح في المستقبل مع تراجع جودة التعليم الحكومي، فبدأ في تأسيس مودرن أكاديمي، التي تحولت فيما بعد من مجرد معهد خاص إلى كيان تعليمي ضخم يضم تخصصات (الهندسة، التجارة، الحاسب الآلي).

استهداف الطبقة المتوسطة والوافدين

اعتمد دعبس على جذب الطلاب من الطبقة المتوسطة “المرتاحة” والطلاب الوافدين (خاصة من دول الخليج مثل الكويت والسعودية)، مستفيدًا من علاقاته لتسهيل التراخيص والاعتمادات، ولم يتوقف عند الأكاديمية، بل أسس جامعة mti لتكتمل الحلقة من التعليم المدرسي إلى الجامعي، مما جعل اسم “عائلة دعبس” مرادفًا لبيزنس التعليم الخاص في مصر.

الدكتور نبيل دعبس
الدكتور نبيل دعبس

رجل كل العصور 

ورغم اختفاء أسماء كثيرة من عهد مبارك بعد ثورة يناير، كان دعبس من الذكاء بحيث أعاد إنتاج نفسه سياسيًّا، أسس الرجل حزب مصر الحديثة، وهو حزب اتخذ خطًّا "مستقلًّا" في البداية لكنه سرعان ما أصبح جزءًا من التحالفات الداعمة للدولة.

مصر الحديثة لم يكن مجرد كيان سياسي، بل كان “ظهيرًا” يحمي استثمارات دعبس  التعليمية، ويوفر له مقعدًا دائمًا في طاولة المفاوضات السياسية.

وجاءت اللحظة الحاسمة مع عودة الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الشيوخ)، لم يكتفِ دعبس بالعضوية، بل انتُخب رئيسًا لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات، والمفارقة الدرامية هنا أن “المستثمر” أصبح هو نفسه “المراقب”، فالرجل الذي يمتلك جامعات ومعاهد خاصة هو نفسه الذي يناقش قوانين التعليم ويراقب أداء الحكومة في هذا الملف، بل ويضع التشريعات المنظمة لعمل تلك الكيانات في تضارب واضح للمصالح.

صورة متخيلة بالذكاء الذكاء الاصطناعي
الدكتور نبيل دعبس

اللافت أن دعبس يرأس لجنة التعليم في وجود قامات وأسماء مهمة في ملف التعليم، تحت قبة مجلس الشيوخ، وهو ما يفسره البعض بأنه انعكاس لاستغلال ثقله المالي، وعلاقاته بأحزاب الموالاة التي تتحكم في شكل التحالفات داخل البرلمان.

تاريخ غامض 

البحث في تاريخ نبيل دعبس يكتنفه الكثير من الغموض، فمسيرته قبل دخول “بيزنس التعليم” وقبل اقتحام عالم السياسة، تبدو غامضة، ولا تتوافر معلومات عن الرجل قبلها ولا عن أنشطته، بالإضافة إلى أن حضوره السياسي يبدو باهتا للغاية، فحزبه مصر الحديثة خرج من سباق انتخابات مجلس النواب الأخيرة خالي الوفاض، ولم يحصل على أي مقاعد، وحتى دعبس نفسه دخل مجلس الشيوخ من بوابة التعيين.

الجريدة الرسمية