د. إبراهيم نجم يكتب: سنوات التيه في تجديد الخطاب الديني.. المشروع تعرّض لعملية اختطاف ممنهجة.. وهذه أبرز مظاهر الإخفاق
منذ أن تعالت الأصوات الرسمية والشعبية في مطلع العقد الماضي مطالبةً بتجديد حقيقي وجذري في الخطاب الديني، وقد مضت سنوات طوال كان يُفترض أن تكون كافية لإحداث نقلة نوعية في طريقة تعاطي العقل المسلم مع تراثه ونصوصه وواقعه المعاصر، جاءت تلك الدعوات في سياق إقليمي ودولي بالغ الخطورة؛ حيث كانت جماعات التطرف والإرهاب تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية، وكانت صورة الإسلام في العالم تتآكل يومًا بعد يوم تحت وطأة خطابات التكفير والغلو والعنف المقدّس، كانت تلك لحظة فارقة بكل المقاييس، لحظة كان يمكن أن تكون نقطة انطلاق لمشروع حضاري حقيقي يُعيد للأمة رشدها الفكري وحيويتها العلمية، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح لا يحتمل التأجيل: ماذا حققنا فعلًا؟ وأين نحن من ذلك الحلم الذي راود الملايين؟
نتائج محبطة
الحقيقة التي لا مناص من مواجهتها، مهما كانت مُرّة، أن المحصّلة النهائية لجهود السنوات الماضية لا ترقى إلى مستوى التحديات التي استدعتها، ولا إلى حجم الآمال التي عُقدت عليها. لقد تحوّل مشروع "تجديد الخطاب الديني"تدريجيًا من مشروع فكري وحضاري جريء إلى شعار بلاغي يتردد في المناسبات والمؤتمرات والاحتفاليات الرسمية، يتصدّر العناوين لأيام قليلة ثم يعود إلى سباته العميق حتى المناسبة التالية. ولا أبالغ إن قلت إن كثيرًا مما قُدِّم تحت يافطة التجديد لم يكن في جوهره سوى ترميم سطحي لبنية خطابية متهالكة، وتجميل لواجهة بناء تحتاج أساساته إلى إعادة تشييد. وليس هذا التشخيص من باب التشاؤم أو جلد الذات، بل هو محاولة صادقة لقراءة المشهد كما هو لا كما نتمنى أن يكون، لأن التجديد الحقيقي لا يبدأ إلا بالاعتراف الشجاع بحجم الإخفاق.
إن أولى الفرص الضائعة، وربما أخطرها، تكمن في عجز المؤسسات الدينية الرسمية في عالمنا العربي والإسلامي عن تحويل دعوات التجديد من شعارات خطابية إلى مشاريع عملية ذات هياكل واضحة وجداول زمنية محددة ومخرجات قابلة للقياس والتقييم. فقد ظلّت هذه المؤسسات، على تعدّدها واختلاف مسمّياتها من بلد إلى آخر، تتعامل مع ملف التجديد بحذر مُفرط يصل في أحيان كثيرة إلى حدّ الشلل التام. وبدا واضحًا أن ثمة هوّة سحيقة بين الخطاب الرسمي لهذه المؤسسات الذي يتبنّى لغة التجديد والانفتاح والتطوير، وبين ممارستها الفعلية التي تتحرك ببطء مؤلم داخل أروقة بيروقراطية عتيقة موروثة من عقود خلت. لقد أنتجت هذه المؤسسات عددًا من الوثائق والبيانات ونظّمت مؤتمرات وندوات لا يُستهان بها، بيد أن هذه الجهود ظلّت في معظمها حبيسة القاعات المغلقة وأوراق التوصيات التي لا يقرأها أحد، لم تتحول إلى مناهج تعليمية جديدة تُدرَّس في المعاهد والكليات الشرعية، ولم تنعكس بصورة ملموسة على أداء الأئمة والدعاة في خطبهم ودروسهم اليومية، ولم تُغيّر شيئًا جوهريًا في الطريقة التي يتلقى بها المسلم العادي دينه ويفهم نصوصه.
فخ الازدواجية
والأدهى من ذلك أن بعض هذه المؤسسات وقع في فخ الازدواجية المُحيّرة؛ إذ يُصدر بيانات عن ضرورة التجديد ومواكبة العصر وتحرير العقل من قيود التقليد، ثم لا يلبث أن يُمارس الوصاية الفكرية ذاتها التي يدّعي نقدها، فيُحارب كل اجتهاد جديد يخرج عن إطار المألوف، ويُصنّف أصحابه بين مُبتدع ومنحرف ومشبوه. هذه الازدواجية أفقدت خطاب التجديد المؤسسي مصداقيته أمام قطاعات واسعة من المثقفين والشباب الذين باتوا ينظرون إلى دعوات التجديد الرسمية بكثير من الشك والريبة، لا لأنهم يرفضون التجديد ذاته، بل لأنهم لم يعودوا يثقون بأن المؤسسة جادة فيه.
من أخطر ما أصاب مشروع التجديد أنه تعرّض لعملية اختطاف ممنهجة حوّلته من مشروع معرفي وحضاري إلى أداة سياسية وأمنية. فبدلًا من أن يكون التجديد مشروعًا فكريًا عميقًا تقوده العقول الراسخة في العلم والفكر والفلسفة، تحوّل إلى ورقة سياسية تُستخدم في سياق المواجهة مع جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة. وليس في التصدي للتطرف عيب بذاته، بل هو واجب وطني وديني لا ريب فيه، لكن الخلل الجوهري يكمن في اختزال التجديد كله في هذا البُعد الواحد. فحين يصبح التجديد مرادفًا لمحاربة الإرهاب فحسب، فإنه يفقد عمقه الفكري وأفقه الحضاري ويتحول إلى مجرد خطاب ردّ فعل لا خطاب فعل ومبادرة.
مشروع بناء الإنسان
إن تجديد الخطاب الديني أوسع وأعمق بكثير من مجرد التصدي للتطرف والغلو، على أهمية ذلك. إنه مشروع يتعلق بإعادة بناء علاقة الإنسان المسلم بنصوصه المؤسِّسة وبتراثه الفقهي والكلامي والفلسفي، وبإعادة تعريف موقعه في العالم المعاصر بكل تعقيداته وتناقضاته. إنه مشروع يتعلق بالإجابة عن أسئلة الوجود والقيم والأخلاق والحرية والعدالة والعلم والمعرفة، لا مجرد الرد على فتاوى التكفير والقتل. وحين يُختزل في بُعده الأمني والسياسي، فإنه يخسر قدرته على استقطاب العقول الكبيرة ويتحول إلى أداة دعائية لا تُقنع أحدًا، لا سيما أولئك الشباب الذين يبحثون عن أجوبة حقيقية لأسئلتهم العميقة حول الدين والحياة والمعنى.
لعلّ أبرز مظاهر الإخفاق أنه لم يُبلوَر حتى الساعة مشروع فكري متكامل واضح المعالم ومحدد الأهداف لتجديد الخطاب الديني. فالمبادرات المتفرقة، على كثرتها وتعدّد مصادرها، تفتقر إلى إطار نظري جامع ورؤية استراتيجية موحّدة تُنسّق بينها وتوجّه طاقاتها نحو غايات محددة. وقد ظلّ الحوار حول التجديد يدور في حلقة مفرغة مُتعبة بين فريقين متطرفين: فريق يرى في كل دعوة للتجديد تغريبًا وتمييعًا للثوابت ومؤامرة على الإسلام، وفريق يرى في كل تمسّك بالتراث وتقدير له جمودًا ورجعية وتخلّفًا. وبين هذين الفريقين المتصارعين، ضاعت المساحة الوسطى الخصبة التي كان يمكن أن ينشأ فيها مشروع تجديدي رصين يجمع بين الأصالة والمعاصرة جمعًا حقيقيًا، لا مجرد شعار يُرفع في وجه هذا الفريق أو ذاك.
مراكز متخصصة
كان من المأمول أن تُنشأ مراكز بحثية متخصصة في قضايا التجديد، تضمّ خيرة العقول من علماء الشريعة والفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا واللسانيات والعلوم الإنسانية بتنوّعها، تعمل وفق منهجية بحثية صارمة وتُنتج أوراقًا علمية ومشاريع قابلة للتطبيق والقياس. كان من المأمول أن تُراجَع المناهج التعليمية في الكليات والمعاهد الشرعية مراجعة جذرية شجاعة، تُدخل فيها مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة ومناهج التحليل النقدي جنبًا إلى جنب مع العلوم الشرعية التقليدية، لا بديلًا عنها بل رافدًا لها ومُعمّقًا لفهمها. كان من المأمول أن يُعاد النظر جذريًا في آليات تأهيل الدعاة والأئمة والمفتين، بما يتجاوز نمط التلقين والحفظ والاستظهار إلى بناء ملكة التفكير النقدي والتحليل المقاصدي والقدرة على فهم الواقع المعاصر بكل تعقيداته قبل الحكم عليه. لكن شيئًا من هذا لم يحدث بالصورة المطلوبة، وإن وُجدت محاولات متناثرة هنا أو هناك فإنها ظلّت مبادرات فردية أو محلية لم تتحول إلى سياسة مؤسسية منهجية ذات أثر تراكمي حقيقي.
ولا يمكن الحديث عن الفرص الضائعة دون الإشارة إلى الإخفاق الفادح في ميدان الإعلام والفضاء الرقمي، وهو الميدان الذي يتشكّل فيه وعي الأجيال الجديدة ويُصاغ فيه فهمها للدين والحياة. فبينما كانت المؤسسات الدينية الرسمية تعقد مؤتمراتها وتُصدر بياناتها بلغة أكاديمية لا يقرأها إلا المتخصصون، كانت جماعات التطرف والانغلاق والشعبوية الدينية تملأ الفراغ الرقمي بمحتوى غزير يصل إلى ملايين الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي بلغة بسيطة مؤثرة وأساليب بصرية جاذبة. لم تنجح المؤسسات الرسمية في تقديم بديل رقمي مُقنع يخاطب العقل والوجدان معًا، بلغة عصرية وأساليب إبداعية تتناسب مع ذائقة الأجيال الجديدة وعاداتها في التلقي والاستهلاك المعرفي.
كثرة المنصات والمنابر المتعددة
إن الشاب العربي والمسلم اليوم لا يتلقى معارفه الدينية من المسجد أو حلقة العلم وحدهما، بل من يوتيوب وتيك توك وإنستغرام وبودكاست وغيرها من المنصات والقنوات التي أصبحت الفضاء الأول لتشكيل الوعي الديني والثقافي والأخلاقي. وغياب مشروع تجديدي حقيقي عن هذا الفضاء يعني ببساطة أن الساحة الأهم على الإطلاق مُتاحة لكل من هبّ ودبّ، يُفتي ويُوجّه ويُشكّل العقول والضمائر دون رقابة علمية أو ضبط منهجي أو مرجعية رصينة. لقد تُرك هذا الميدان الحيوي دون استثمار حقيقي، وهذا ربما يكون أخطر الفرص الضائعة على الإطلاق، لأن من يخسر معركة الوعي يخسر كل شيء.
ولا يجوز أن نغضّ الطرف في هذا السياق عن مأزق بنيوي عميق يُعيق أي تجديد حقيقي ويُجهض كل محاولة جادة في مهدها، وهو غياب المناخ الكافي للحرية الفكرية والنقد العلمي الجريء والحوار المفتوح الحقيقي. فالتجديد بطبيعته عملية فكرية جريئة تستلزم طرح أسئلة صعبة ومراجعة مسلّمات راسخة وإعادة فحص أفكار اعتُبرت من المحرّمات الفكرية. وهذا كله يتطلب فضاءً فكريًا مفتوحًا يسمح بالاجتهاد والاختلاف والمراجعة دون تخوين أو تكفير أو ملاحقة أو إقصاء.
والحق الذي لا مراء فيه أن كثيرًا من المجتهدين والمفكرين والباحثين الذين حاولوا تقديم قراءات جديدة للتراث أو طرح أسئلة غير مألوفة أو مراجعة آراء فقهية سائدة، واجهوا حملات شرسة من التشويه والتكفير والتبديع والإقصاء، سواء من تيارات التشدد الشعبية أو أحيانًا من داخل المؤسسة الدينية ذاتها. وقد أدّى هذا المناخ التخويفي إلى حالة واسعة من الإحجام الفكري والتحفّظ الأكاديمي والخوف من المغامرة البحثية، حتى بات كثير من العلماء والباحثين يُؤثرون السلامة ويبتعدون عن المناطق "الملغومة"فكريًا، ليس لعجز في قدراتهم بل لإدراكهم أن الثمن قد يكون باهظًا. وما لم نُهيّئ مناخًا فكريًا صحيًا يحمي حق الاجتهاد العلمي المنضبط ويُفرّق تفريقًا واضحًا بين النقد المنهجي الرصين والإساءة للمقدسات، فإن دعوات التجديد ستظل صدًى بلا صوت وحرفًا بلا روح.
التجديد النخبوي
ثمة إشكالية أخرى ينبغي ألا تغيب عن هذا التحليل، وهي أن كثيرًا من المحاولات التجديدية الجادة ظلّت حبيسة الدوائر النخبوية والأكاديمية، تُكتب بلغة لا يفهمها إلا المتخصصون وتُنشر في دوريات لا يقرأها إلا الباحثون. وقد أدّى هذا الانفصال بين المثقف الديني والجمهور العريض إلى فراغ خطير ملأه الخطاب الشعبوي التبسيطي، سواء كان متشددًا أو متساهلًا. إن التجديد الحقيقي لا يكتمل إلا حين يصل إلى الناس في مساجدهم ومدارسهم وبيوتهم وهواتفهم، بلغة يفهمونها وأسلوب يُقنعهم. والعجز عن بناء هذا الجسر بين الفكر التجديدي الرصين والجمهور العام يُعدّ من أبرز الفرص الضائعة التي يجب الاعتراف بها والعمل على تداركها.
بيد أن هذه القراءة النقدية الصريحة، على حدّتها وصراحتها، لا ينبغي أن تُفضي إلى يأس أو إحباط أو استسلام. فإن من طبيعة المشاريع الحضارية الكبرى أنها لا تُنجَز في عقد واحد ولا في جيل واحد، وأن مسارها لا يكون خطيًا صاعدًا بالضرورة بل يعرف انتكاسات وتعثّرات قبل أن يستقيم. والناظر في تاريخ حركات الإصلاح والتجديد في الحضارة الإسلامية يجد أنها استغرقت عقودًا طويلة وأجيالًا متعاقبة قبل أن تؤتي ثمارها الكاملة. فمشروع الإصلاح الذي بدأه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وطه حسين وعلي عبد الرازق وأمين الخولي وغيرهم لم يُنتج أثره الكامل إلا عبر تراكم الجهود واستمرار المحاولات رغم كل العقبات والمقاومات.
إن ما يدعو إلى التفاؤل الحقيقي هو أن وعي الأجيال الجديدة من العلماء والمفكرين والباحثين المسلمين بضرورة التجديد وحتميته قد بلغ مستوى غير مسبوق في التاريخ الحديث. فثمة جيل جديد واعد من الباحثين الشرعيين الذين يجمعون بين التكوين التراثي الأصيل والتدريب المنهجي الحديث والانفتاح على العلوم الإنسانية المعاصرة واللغات الأجنبية والثقافات الأخرى. هؤلاء يعملون في صمت وصبر في الجامعات ومراكز البحث حول العالم، يُقدّمون إسهامات جادة ومبتكرة في مجالات مقاصد الشريعة والتفسير المعاصر وفقه الأقليات وأخلاقيات التقنية والبيئة وفلسفة الدين والحوار بين الأديان وغيرها من الحقول المعرفية الحيوية. هؤلاء هم رأسمال التجديد الحقيقي، وعلينا أن نُفسح لهم الطريق ونُهيّئ لهم المناخ ونحميهم من سياط التكفير وسيوف الجمود ونُتيح لهم منابر تليق بعلمهم وجرأتهم.
مأزق الذكاء الاصطناعي
كذلك فإن الأدوات التقنية الهائلة المتاحة اليوم، من الذكاء الاصطناعي إلى منصات النشر الرقمي إلى أدوات التحليل اللغوي والحاسوبي للنصوص التراثية، تُتيح إمكانات غير مسبوقة في تاريخ البشرية لإعادة تقديم التراث الإسلامي وتحليله ونقده وتجديده بصورة لم تكن متاحة لأي جيل سابق. إن المكتبة الإسلامية بأكملها، بملايين صفحاتها ومخطوطاتها، أصبحت في متناول اليد، والأدوات المنهجية لدراستها وتحليلها ومقارنتها لم تكن يومًا أقوى مما هي عليه اليوم.
إن تجديد الخطاب الديني ليس ترفًا فكريًا نتسلّى به في المؤتمرات، ولا مجاملة سياسية نُقدّمها للعالم، ولا معركة نخوضها ضد هذا التيار أو ذاك. إنه ضرورة حضارية ووجودية تتعلق بمستقبل أمة بأكملها وبقدرتها على الإسهام في الحضارة الإنسانية والعيش بكرامة وفاعلية في عالم لا يرحم المتخلّفين عن ركبه. وإن كنا قد أضعنا فرصًا ثمينة في السنوات الماضية، فإن الباب لم يُغلَق بعد، والطريق لا يزال مفتوحًا أمام من يملك الإرادة الصادقة والشجاعة الفكرية والرؤية الاستراتيجية لتحويل الكلام إلى فعل والأحلام إلى واقع. والمطلوب هو أن نبدأ من جديد، لا من الصفر، بل من حيث وصلنا، بروح نقدية شجاعة وتواضع معرفي حقيقي وإيمان راسخ بأن هذه الأمة تملك من مقوّمات النهوض ما يفوق عوامل التعثّر، وأن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم.
كاتب المقال المستشار العام لمفتي الجمهورية
