رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (1)

18 حجم الخط

صناعة الوعي الزائف الرائجة هذه الأيام تحتكرها مؤسسات التمويل الغربي وفق خارطة طريق تتنوع فيها المسالك والمناهج والدروب المرسومة لكل تيار من تيارات صُنَّاع الوعي الزائف. فهم يتوزعون بحسب الرايات والدعايات التي يتمترسون خلفها، والشعارات البرَّاقة التي يرفعونها للتمويه على حقيقة محتوى خطابهم الساعي إلى تفكيك الهُويَّات الأصيلة الجامعة للأمم والحضارات..

وذلك بالانسلاخ من الروابط الدينية والقِيَمِيَّة والثقافية واللغوية والاجتماعية المُشَكِّلة لتلك الهويات، وإحلال خطابات الوهم التغريبية محلها، تلك التي لا تُنتج التزامًا أخلاقيا أو دينيا أو إنسانيا حقيقيًا، بل تكرِّس في النهاية قِيَم حضارة جزيرة جيفري إبستين.

 

وكانوا إلى عهد قريب يكادون ينحصرون في تيارات المادية بتشكلاتها العلمانية من أدعياء التنوير وتُجَّار الحداثة والعصرنة.. لكن فجاءة طفا على سطح الموج زَبَدٌ جديد تحت راية القراءات اللغوية المعجمية للأحكام الدينية والآيات القرآنية. 


تلك القراءات التي تحوِّل الآية القرآنية أو الحكم الديني تعبديا كان أم تشريعيا أم اعتقاديا أم أخلاقيا إلى وجبة يتيمة على مائدة لئام يتقاذفونها بمحتويات معاجم لغوية يجهلون خبايا تشابكات علاقاتها البنيوية بعضها ببعض، وتكاملها الشمولي.

 

كما أنهم إلى جانب هذا الإثم اللغوي يقترفون خطيئة المنهجية الكبرى في عزل الآية القرآنية عن سياق النظم القرآني المتكامل الذي يفسر بعضه بعضا.. وسوف نكتفي اليوم بمثال واحد سيكون صاحبه هو موضوع الحلقة الثانية من سلسلة صُنَّاع الوعي الزائف.

 

ففي هذا المثال يقدم صاحب هذا الرأي ما يسميه قراءة وجودية تشخيصية  للآية الكريمة في سورة النور: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ).. بأن غضّ البصر ليس إغلاق العين، بل فتح القلب على معنى الرحمة.

وأن حفظ الفرج ليس كَبْت الغريزة، بل حفظ اللسان من كل ما يهتك الإنسانية. وأن «ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ» ليس وصفًا سلوكيًا، بل وعد بالارتقاء النفسي والوجودي.

 

تلك القراءة ذات الجذور مُنْبَتّة الأصول العلمية والمنهجية في تَوَحُّدٍ واغتراب عن المعقول والمنقول.
إذ تنتمي إلى ذلك النوع من التأويل الذي يفرِّغ الأحكام الدينية والقِيَمِيَّة والأخلاقية من حقيقتها ومضمونها الحارس لفضائل الطهارة والعفة والعفاف، كما أنه يشرعن لللاأخلاقية والإباحية التي تتفكك بها روابط المجتمع وتتمزق أواصله وقيمه التي تشكل أسس هويته.

 

وإلى جانب الإثم اللغوي والخطيئة المنهجية فإن هذا التأويل يعارض منطوق القرآن الكريم نفسه الذي نصًّ بآياته الجمة على أن البصر والأبصار ألفاظ صريحة في الدلالة على العين والرؤية البصرية، وأنها أداة إدراك حسي ذات مسؤولية يتحمل الإنسان عواقب توظيفها حُسْنًا أو سوءًا: 

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

 

وكذلك الأمر في لفظ (الفَرْج) الذي أوَّله صاحب مثال الإثم اللغوي بأنه (الفم) قد جاء النص القرآني بما يعارضه في التوظيف السياقي بنظرية النظم القرآني: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ). فلو كان لفظ (الفرج) بمعنى (الفم) لأصبح المعنى إباحة وتحليل التجاوز والتعدي اللفظي والقولي بالإساءة والسب والقذف والشتم للزوجات!

الجريدة الرسمية