إعادة ضبط المشهد الحزبي في الأردن، هل يصمد الإسلاميون أمام اختبار البقاء؟
تمرّ الحياة الحزبية في الأردن بمرحلة إعادة تنظيم عميقة، تتجاوز تصويب الأنظمة الداخلية للأحزاب إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة العمل السياسي وحدوده القانونية، وهذه المرحلة تضع التيارات ذات الخلفية الدينية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي، أمام واقع مختلف تحكمه قواعد أكثر صرامة في التعاطي مع المرجعيات والهوية التنظيمية.
ضمن هذا السياق، جاءت مراجعات الهيئة المستقلة للانتخاب لأنظمة الأحزاب لتفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل الإسلاميين داخل المشهد السياسي الأردني، لا بوصفهم فاعلًا انتخابيًا فقط، بل كتيار تاريخي يواجه متغيرات قانونية وسياسية تعيد رسم أدواره ومساحاته.
من الحضور البرلماني إلى سؤال المشروعية
يُنظر إلى حزب جبهة العمل الإسلامي منذ سنوات باعتباره الواجهة السياسية الأبرز لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وهو ما منح الحزب حضورًا مؤثرًا تحت قبة البرلمان وفي النقاش العام. غير أن الحظر القانوني المفروض على الجماعة، وما تبعه من تشديد على الفصل بين العمل الحزبي والمرجعيات الدينية والتنظيمية غير المرخصة، أعاد طرح مسألة المشروعية السياسية للحزب بصيغة مختلفة.
مراجعة النظام الأساسي للحزب، وفق مصادر مطلعة، لا تستهدف الأداء السياسي بقدر ما تركز على مدى استقلالية الحزب عن أي كيان محظور، وانسجام بنيته الفكرية والتنظيمية مع قانون الأحزاب، الذي يحظر تأسيس الأحزاب أو تسميتها على أسس دينية. هذا التدقيق يضع الإسلاميين أمام خيارين واضحين: إما إعادة تعريف الذات كحزب مدني مستقل، أو الدخول في مسار انكماش سياسي تدريجي.
الإخوان بين التكيّف والانكماش
قراءات سياسية تشير إلى أن التيار الإسلامي في الأردن يقف عند مفترق طرق. فالتكيف مع البيئة القانونية الجديدة يتطلب تحولات عميقة في الخطاب والبنية التنظيمية، وهو ما يشكل تحديًا لجماعة اعتادت العمل ضمن شبكة أيديولوجية عابرة للأطر الحزبية التقليدية.
في المقابل، فإن عدم الاستجابة لهذه التحولات قد يؤدي إلى تآكل النفوذ السياسي، وتحجيم القدرة على التأثير داخل المؤسسات المنتخبة.
ويرى متابعون أن ما يجري يعكس توجّهًا رسميًا لتكريس نموذج العمل الحزبي المدني، بما يقلّص المساحات الرمادية التي سمحت سابقًا للإسلاميين بالجمع بين العمل الدعوي والسياسي.
وهذا التوجه لا يستهدف تيارًا بعينه، لكنه يضع الإخوان في صدارة المتأثرين به، بحكم تاريخهم التنظيمي وطبيعة حضورهم في المجال العام.
مستقبل مفتوح على أكثر من سيناريو
في ضوء هذه المتغيرات، يبدو مستقبل الإسلاميين في الأردن مرهونًا بقدرتهم على إعادة التموضع داخل قواعد اللعبة السياسية الجديدة. فإما التحول إلى فاعل حزبي مدني يلتزم بالمرجعيات الوطنية الجامعة، أو البقاء في حالة شدّ وجذب قانوني قد تُفضي إلى تقليص الدور السياسي لصالح قوى حزبية أخرى أكثر انسجامًا مع الإطار التشريعي.
وتشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة لن تشهد إقصاءً مباشرًا، بقدر ما ستفرض اختبارات متتالية على قدرة الإسلاميين، وتحديدًا الإخوان، على البقاء داخل المشهد بوصفهم جزءًا من نظام سياسي يعاد تنظيمه، لا ساحة مفتوحة للصراعات الأيديولوجية.
