رئيس التحرير
عصام كامل

أجمل ضريح في مصر، عندما يكتب الحجر سيرة السلطان قلاوون (فيديو)

ضريح السلطان قلاوون
ضريح السلطان قلاوون
18 حجم الخط

في قلب شارع المعز لدين الله الفاطمي، حيث تتجاور طبقات التاريخ وتتزاحم الحكايات، يقف ضريح السلطان المنصور قلاوون شامخًا، لا كأثر معماري فقط، بل كشهادة حية على عبقرية الفن الإسلامي، وعلى مفارقة تاريخية نادرة بطلها رجل بدأ حياته مملوكًا اشتراه أستاذه بألف دينار، وانتهى به المطاف سلطانًا حكم مصر

 وأسّس قلاوون أسرة ملكت البلاد لما يقرب من مائة عام، وترك خلفه واحدًا من أجمل أضرحة العالم، والذي يُصنّفه المؤرخون والدارسون كثاني أجمل ضريح في العالم بعد تاج محل في الهند، وأجمل ضريح في مصر بلا منازع.

 

من سوق العبيد إلى عرش مصر

وُلد السلطان المنصور قلاوون الألفي في أواسط القرن السابع الهجري، وكان من أصول قبجاقية، جُلب إلى مصر في صباه وبيع في سوق العبيد، قبل أن يشتريه الأمير علاء الدين الألفي بمبلغ ألف دينار، وهو الرقم الذي التصق باسمه لاحقًا. 

ولم يكن قلاوون مجرد مملوك عادي، بل أظهر ذكاءً حادًا، وقوة شخصية، وقدرة لافتة على التعلم والانضباط العسكري، ما جعله يتدرج سريعًا في المناصب حتى صار من كبار أمراء الدولة.

ومع تعاقب الاضطرابات السياسية في العصر المملوكي، استطاع قلاوون أن يفرض حضوره، وأن يصل إلى الحكم سنة ٦٧٨هـ، ليبدأ عهدًا جديدًا من الاستقرار النسبي، ويؤسس سلالة حكمت مصر والشام قرابة قرن كامل، وكان من أشهر أبنائه السلطان الأشرف خليل، وحفيده الناصر محمد بن قلاوون، أحد أعظم سلاطين المماليك.

 

مجموعة قلاوون… مشروع دولة لا مجرد ضريح

لم يكنضريح السلطان قلاوون مشروعًا منفردًا، بل جزءًا من مجموعة معمارية متكاملة شُيّدت في قلب القاهرة الفاطمية، وضمت البيمارستان المنصوري، والمدرسة، والضريح. اللافت أن هذا الصرح العملاق شُيّد في مدة قياسية لم تتجاوز ١٣ شهرًا فقط، وهي مدة تكاد تكون مستحيلة بمعايير العمارة القديمة، ما يطرح تساؤلات دائمة حول حجم الجهد والتنظيم والموارد التي سخّرها السلطان لإنجاز مشروعه.

اختار قلاوون موقعًا شديد الرمزية، في شارع المعز، ليكون ضريحه شاهدًا على السلطة، والعلم، والرحمة، حيث يجتمع العلاج والتعليم والموت في مساحة واحدة، في فلسفة تعكس رؤية مملوكية عميقة لمعنى الحكم والخلود.

 

قبة لا مثيل لها… أعجوبة خشبية مذهبة

تُعد قبة ضريح السلطان قلاوون أعجوبة معمارية بكل المقاييس، فهي أجمل قبة في مصر، وواحدة من أندر القباب في العالم الإسلامي. القبة مصنوعة بالكامل من الخشب، ومزخرفة بزخارف دقيقة مغطاة بطبقات من الذهب، في مشهد يخطف الأنفاس بمجرد الدخول إلى الضريح.

ما يميز هذه القبة ليس جمالها فقط، بل حالتها الإنشائية الفريدة، حيث صمدت لقرون طويلة دون أن تفقد توازنها أو رونقها، على عكس القباب الحجرية الأكثر شيوعًا. ويؤكد خبراء العمارة أن هذه القبة تمثل ذروة التطور الهندسي في العصر المملوكي، وتجربة جريئة لم تتكرر كثيرًا بعد ذلك.

 

جدران تفوح عبقًا… اللبان سرّ لا يُرى

من أعجب الاكتشافات التي توصل إليها الباحثون أثناء ترميم الضريح، أن الزخارف الجدارية لم تكن تُثبت بمواد تقليدية فقط، بل استُخدمت مادة تحتوي على لبان، بهدف نشر رائحة طيبة داخل المكان. لم يكن الجمال البصري وحده هو الهدف، بل كانت الحواس كلها جزءًا من التجربة الروحية، في انسجام نادر بين الفن والطقس الديني.

هذا الاكتشاف يفتح نافذة على عقلية المعماري المملوكي، الذي لم يكن يبني حجرًا فوق حجر، بل كان يصمم تجربة متكاملة للزائر، حيث الرائحة، والضوء، والصوت، والزخرفة، كلها عناصر محسوبة بعناية.

 

محراب يتجاوز الزمن

يحتضن الضريح واحدًا من أجمل المحاريب في العالم الإسلامي، وربما أجملها على الإطلاق. محراب مزين بالرخام متعدد الألوان، والصدف، والعاج، وقطع الألباستر بأحجام مختلفة، في لوحة فنية مذهلة تعكس تداخل الحضارات وتأثيراتها.

لا يقف جمال المحراب عند زخرفته، بل يمتد إلى فلسفته البصرية، حيث تتناغم الألوان والخامات لتقود العين نحو القبلة في سلاسة وانسياب، وكأن المعمار أراد أن يجعل من الصلاة فعلًا جماليًا بقدر ما هو روحي.

 

أعمدة تحكي تاريخ الحضارات

تحيط بالضريح أعمدة ضخمة، يزن العمود الواحد منها قرابة طنين، جُلبت من مبانٍ أقدم، في ممارسة كانت شائعة في العمارة الإسلامية، حيث يُعاد توظيف العناصر المعمارية القديمة. هذه الأعمدة تمثل مزيجًا فريدًا من الطراز الروماني والفرعوني، في دليل واضح على أن القاهرة كانت مدينة تتراكم فيها الحضارات بدلًا من أن تُمحى.

هذا التداخل بين العصور يمنح الضريح عمقًا تاريخيًا استثنائيًا، ويحوّله إلى متحف مفتوح يروي قصة مصر عبر الحجر.

 

التابوت الخشبي… نصوص الخلود

في قلب الضريح يرقد التابوت الخشبي للسلطان قلاوون، وقد كُتبت عليه ألقابه وأسماؤه بالخط الكوفي، في نقش بالغ الدقة. الخط هنا ليس مجرد وسيلة كتابة، بل عنصر زخرفي يضيف مهابة وجلالًا للمكان، ويؤكد فكرة الخلود الرمزي التي سعى إليها السلطان.

 

ضريح عالمي بروح القاهرة

صُنّف ضريح السلطان قلاوون كأحد أجمل أضرحة العالم، لأنه يجمع بين فنون متعددة، من الحفر والنقش، إلى الرسم والتلوين على الحجر والخشب والزجاج، في انسجام نادر قلّما اجتمع في مكان واحد. إنه ضريح لا يُختصر في صورة، ولا يُفهم في زيارة سريعة، بل يحتاج إلى تأمل طويل، ومعرفة بالسياق التاريخي الذي أنجبه.

في النهاية، لا يقف ضريح السلطان قلاوون كذكرى لرجل مات، بل كحكاية عن صعود، وعن طموح، وعن مدينة لا تزال قادرة على إدهاش العالم، حتى بعد مرور قرون. هنا، في شارع المعز، لا تُدفن السلاطين فقط، بل تُدفن الأزمنة، وتظل العمارة هي الراوي الأخير.

الجريدة الرسمية
عاجل