100 عام على روزاليوسف، المرأة التي صنعت مجدًا من ورقٍ وحبر
في زمنٍ كانت فيه المرأة محاصرة خلف جدران العادات، كانت فاطمة اليوسف تحمل في عينيها وهجًا يشبه شرارة تمرد لا ينطفئ، تركت خشبة المسرح وهي في أوج شهرتها، لتصعد إلى مسرح آخر أكثر تنوعًا وجرأة: مسرح الكلمة، فعليه ولدت “روزاليوسف”، التي جاءت عنوانًا لمرحلة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية.
نموذج روزاليوسف
حياة فاطمة اليوسف، أو “روزاليوسف”، تُجسد قصة امرأة صنعت مجدها من العدم، وشقت طريقها بين أضواء المسرح وصفحات الصحف حتى أصبحت واحدة من أيقونات الثقافة والصحافة المصرية في القرن العشرين.
ميلاد فاطمة اليوسف
ولدت فاطمة اليوسف، المعروفة بـ«روزاليوسف»، عام 1897 في مدينة طرابلس شمال لبنان، توفيت والدتها وهي في عامها الثاني، وكان والدها محمد محيي الدين اليوسف، يعمل بالتجارة، من أصل تركي، ويسافر كثيرًا بين إسطنبول وبيروت.
تركها والدها في رعاية أسرة جارة مقابل مبلغ شهري لتتكفل بتربيتها وتعليمها، بينما كان هو يتنقل في أسفاره. غير أن القدر تدخّل حين توفي والدها أثناء إحدى رحلاته، فانقطع عنها المال، وتبدّلت حياتها، فبدأت تُعامل بقسوة في المنزل الذي ظنّت أنه بيتها.
الطفولة القاسية واكتشاف الحقيقة
وصفت روز اليوسف في مذكراتها «ذكريات»، معاناتها مع هذه الأسرة وقالت:"كانت ثيابي خرقًا بالية، وطعامي فضلات، لم أسمع منهما كلمة حلوة، ولا ابتسامة حانية".
رغم القسوة التي عاشتها داخل بيت الجيران، كانت المربية خديجة هي الوحيدة التي منحتها الحنان خفية، حتى جاء يوم زار فيه صديق للأسرة المنزل وطلب اصطحابها إلى البرازيل، فوافق الأبوان بسهولة، ما أثار دهشة الطفلة، كيف لأبوين يفرطين في طفلتهما بهذه السهولة، وعندما واجهت مربيتها بالدهشة، صارحتها خديجة بالحقيقة:“هذان ليسا أمك ولا أباك، أمك توفيت بعد ولادتك، وأبوك تاجرٌ تركك أمانة لدى هذه الأسرة”. وعرفت الطفلة أن اسمها الحقيقي «فاطمة»، أما “روز” هو الاسم الذي أطلقته عليها تلك الأسرة.
بداية الطريق إلى مصر
وافقت فاطمة على السفر إلى البرازيل فقط لتتخلّص من القسوة التي عانتها داخل بيت الجيران. وعلى متن الباخرة المتجهة من بيروت، التقت بالمخرج إسكندر فرح، الذي أُعجب بذكائها وشخصيتها، وعندما توقفت الباخرة في ميناء الإسكندرية، أقنعها بالنزول والعمل معه في فرقته المسرحية.
وفي عام 1910، بدأت روز اليوسف حياتها الفنية من الإسكندرية، حيث أقامت مع أسرة إسكندر فرح، الذي عاملها كابنته، وشاركت في فرقته كممثلة صغيرة.
عزيز عيد وحنان الأب المفقود
في عام 1912، التقت بالفنان عزيز عيد الذي كان يعمل ممثلًا ومخرجًا، وأسس لاحقًا فرقة الفودفيل عام 1915، التي لاقت نجاحًا كبيرًا بفضل تألق روز اليوسف والمطربة منيرة المهدية.
بدأت كـ«كومبارس» تؤدي الأدوار الثانوية، حتى أتيحت لها الفرصة، حين رفضت ممثلات الفرقة أداء دور « عواطف بنين» سيدة عجوز في أحد العروض، فاختارها عزيز عيد لأدائه. وقدّمت فاطمة الدور بإتقان مدهش أثار إعجاب الجمهور والنقاد، ليكون ذلك الانطلاقة الحقيقية لموهبتها المسرحية.
بداية النضج الفني
بعد سنوات، انتقلت روز اليوسف إلى فرقة عكاشة، وهناك أدّت عددًا من المونولوجات مع الفنان محمد عبد القدوس، وكان أول أزواجها الذي أنجبت منه الأديب الكبير إحسان عبد القدوس أحد رموز الأدب والصحافة في مصر.
القاهرة وفرقة رمسيس
المحطة الثانية والأهم كانت القاهرة، انتقلت «زور» إلى فرقة جورج أبيض، ثم انضمت إلى فرقة رمسيس التي أسسها يوسف وهبي، وهناك بلغت قمة شهرتها الفنية، كانت فاطمة اليوسف تتمتع بقدرة عالية على تجسيد الشخصيات المعقدة التراجيدية، ما جعل النقاد يلقبونها بـ“سارة برنار الشرق”، الممثلة الفرنسية الأسطورية، ذائعة الصيت في ذلك الوقت.
رحلة «فاطمة» الفنية لم تخلُ من الصدامات، فنشب خلاف حاد بينها وبين يوسف وهبي، تركت على إثره فرقة رمسيس، لتقرر بعدها اعتزال التمثيل نهائيًا، والاتجاه إلى ميدان آخر أكثر اتساعًا وتأثيرًا وهو الصحافة، ولاسيما أن الصحف في ذلك الوقت كانت تهاجم الفن والفنانين، فأرادت أن تؤسس مجلة تصبح منبرًا للفن والإبداع.
ميلاد المجلة والحلواني كساب
كانت القاهرة في مطلع أكتوبر من عام 1925 تضج بالحياة والفن والمقاهي التي يتناثر فيها الأدباء والفنانون، حين جلست روز اليوسف في محل الحلواني الشهير «كساب» وسط العاصمة، في المكان الذي أصبحت تقوم فيه لاحقًا سينما ديانا.
جلست فاطمة برفقة زوجها الفنان زكي طليمات والصحفي إبراهيم خليل، يتبادلون الأحاديث بين السياسة والفن، حتى اقترب منهم الكاتب حافظ نجيب، يحمل بين يديه مجلة صغيرة يصدرها من بيته اسمها «الحاوي» تصفحتها روز اليوسف سريعًا، فإذا بها تمتلئ بالهجوم والسخرية من الممثلات والممثلين.
رفعت عينيها في دهشة وسألت: “لماذا لا توجد مجلة تُدافع عن الفنانين بدلًا من أن تهاجمهم؟ من يتكلم باسمهم؟ من يُنصفهم؟”.
لم يكن سؤالها عابرًا، بل كان شرارة الفكرة التي غيّرت وجه الصحافة المصرية، وبينما تبادل الأصدقاء الحديث، خطر ببالها خاطر جريء فقالت: “ولماذا لا أصدر أنا مجلة تُدافع عنهم؟!"
فكرة ولدت على طاولة مقهى
تروي روز اليوسف في مذكراتها، أنها في تلك الجلسة القصيرة خططت لمعظم التفاصيل، دعمها زكي طليمات في تحقيق الحُلم، وسألت إبراهيم خليل عن تكلفة طباعة ثلاثة آلاف نسخة، فحسبها في ورقة وقال: “اثنا عشر جنيهًا.” ثم بدأوا يقترحون أسماء للمجلة، لكن روز فاجأتهم بقرار حاسم: “ستحمل المجلة اسمي، روز اليوسف، لتكون أول مجلة في الشرق العربي تحمل اسم امرأة.”
عاد الجميع إلى بيوتهم، ونسي الأصدقاء ما دار، إلا «روز» التي لم يغمض لها جفن تلك الليلة، كانت ترى حلمها يولد بين صفحات لم تُطبع بعد، وتسمع صوت بائعي الصحف ينادون باسمه في الشوارع.
الرخصة الأولى وبداية المغامرة
مع أول خيط من ضوء الصباح، كانت تجلس في مكتب إبراهيم خليل، تكتب طلبًا رسميًا إلى وزارة الداخلية لاستخراج رخصة إصدار مجلة روز اليوسف، نصحها خليل بالاستعانة بالكاتب محمد التابعي، فاجتمعت به في اليوم التالي في أحد المقاهي، فأُعجب بحماسها ونصحها بأن تستكتب كبار الأدباء: عباس محمود العقاد، الدكتور طه حسين، إبراهيم المازني، وغيرهم من أعلام الفكر.
العدد الأول وميلاد الأسطورة
تكوّن فريق تحرير المجلة من خمسة من أخلص أصدقائها: محمد التابعي -الذي أصبح أول رئيس تحرير لها- أحمد حسن، سعد الكفراوي، زكي طليمات، وإبراهيم خليل.
في الطابق السادس، من عمارة أمير الشعراء أحمد شوقي، بشارع جلال عمارة، حيث شقة روزاليوسف، اتخذت منها مقرًا للمجلة، -قبل أن تشتري أرض مقرها الحالي في شارع محمد سعيد من القصر العيني-، تسعٍ وتسعون سلّمة كانت تفصل الزائرين عن بابها، حتى أن محمد التابعي كان يرفض الصعود، فيجلس معها على المقهى لمراجعة البروفات قبل الطباعة.
انطلاق المجلة
في صباح 26 أكتوبر 1925، أصدرت مجلة فنية أسبوعية حملت اسمها الفني «روز اليوسف»، رفعت لواء التنوير في مصر، بدأت مجلة روز اليوسف كمجلة فنية أدبية مصوَّرة تُعنى بأخبار الفن والأدب، والأدباء والفنانين، ثم تحوَّلت إلى السياسة أيضًا في العام الثالث لصدورها، ترأس تحريرها الصحفي الكبير محمد التابعي، وترأست هي رئاسة مجلس الإدارة واستمرت في المنصب حتى وفاتها.
رؤساء التحرير وإرثها الصحفي
قامات صحفية كبير جلست على مقعد رئاسة تحرير المجلة كبار الصحفيين والمفكرين: محمد التابعي، روز اليوسف، إحسان عبد القدوس، أحمد حمروش، أحمد بهاء الدين، كامل زهيري، عبدالرحمن الشرقاوي، فتحي غانم، وصلاح حافظ.
مذكرات روزاليوسف
لم تكتفِ روز اليوسف بالمجلات والصحف، بل ساهمت في حركة الأدب والثقافة المصرية من خلال إصدار الكتاب الذهبي وسلسلة من الكتب الفكرية والسياسية التي ناقشت قضايا الحرية والفكر والإصلاح. وفي عام 1956، أصدرت كتابها الشهير «ذكريات»، الذي تضمن مذكراتها الشخصية ومحطات من رحلتها الفنية والصحفية.
ميلاد مجلة صباح الخير
في عام 1956 أطلقت مجلة «صباح الخير»، التي كانت تُخاطب الشباب تحت شعارها الشهير: «للقلوب الشابة والعقول المتحررة» الذي صاغه الكاتب الكبير أحمد بهاد الدين، أول رئيس تحرير للمجلة، فكانت بمثابة مدرسة جديدة في الصحافة المصرية، خرّجت أجيالًا من الصحفيين والأدباء الذين أصبحوا فيما بعد رموزًا للإبداع والكتابة الحرة في العالم العربي كله.
إرث لا يزول
لم تكن روز اليوسف مجرّد ممثلة تحوّلت إلى ناشرة، بل كانت امرأةً صنعت لنفسها مجدًا من ورق وحبر، وفتحت الطريق أمام جيلٍ كامل من الصحفيات والفنانات والمثقفات.
رحيل فاطمة اليوسف
رحلت فجر يوم عيد الفطر المبارك، 10 أبريل 1958، تاركة وراءها مؤسسة، ومدرسة فكر، وإرثًا فكريًا وثقافيًا ضخمًا، ورسّخت لمكانة المرأة المصرية في ميادين الفكر والصحافة والإبداع.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
