شاعر وملك وتاريخ !
كان للأجانب في مصر درجات على المصريين.. والأجنبي هو أي مواطن غير مصري حتى لو كان عربيا، بل حتى لو ولد على أرضنا.. فلهم مزايا عديدة وقوانين ومحاكم خاصة.. وتحت هذه الرخصة خاض الشاعر العظيم بيرم التونسي معارك ضارية مع حكام مصر تحت الاحتلال الأجنبي في النصف الأول من القرن العشرين..
صحيح ولد في الإسكندرية.. نشأ مصريا بالهوى والانتماء والميول لكن ظلت الأوراق الرسمية تقول إنه تونسيا بالهوية.. وبالتالي ووفقا للقوانين المعمول بها وقتها يعامل معاملة الفرنسيين.. وخاض من أجل مصر وشعبها معارك عديدة ظلت لسنوات حديث المصريين، خاصة بعد تولي السلطان فؤاد حكم البلاد خلفا لشقيقه حسين كامل..
وكتب أزجالا وأشعارا بعضها كان بمطبوعات الثائرين وقتها أو حملته منشورات سرية ثم دونته الذاكرتين الشعرية والشعبية لكننا لا نملك نشره لخروج بعضه عن الأداب العامة! سواء في ألفاظه أو موضوعه حيث تناول موضوعات شديدة الخصوصية تتعلق ببعض سلوكيات أفراد من الأسرة الحاكمة وقتها ولابد من شرحها حتى يفهمها القراء..
لكن في قصيدة "مجرم ودون" التي كتبها عند تحويل مصر من سلطنة إلى مملكة انفجر بيرم بالغضب وانفعل شعريا وكتب قصيدة انتحارية.. يقول في بعض أجزاء منها تقبل -بالكاد- النشر:
"ولما عدمنا بمصر الملوك..
جابوك الإنجليز يا فؤاد وقعدوك
تمثل على العرش دور الملوك..
وفين يلقوا مجرم نظيرك ودون
وخلوك تخالط بنات العباد..
على شرط تقطع رقاب العباد
وتنسى زمان وقفتك يا فؤاد..
على البنك (مدخل محلات البقالة)
تشحت شوية زتون
بذلنا ولسه بنبذل نفوس..
وقلنا عسى الله يزول الكابوس
ما نابنا إلا عرشك يا تيس التيوس..
لا مصر استقلت ولا يحزنون"!
صحيح دفع بيرم الثمن غاليا.. وليس أقصي من أن يحملوك ويلقوا بك خارج وطنك.. مع قرار بمنعك من العودة إليه.. لكن عاد بيرم.. وذهب فؤاد.. وذهبت الملكية كلها.. وبقي التونسي إبن مصر.. وبقيت قصائده.. وبقيت فلسفته وحكمته في بعض القصائد.. حتي لننظر حولنا.. علي مرمي بصر ببلادنا العربية.. ونراها وكأنها تتحقق اليوم!
ولا يفلح حاكم جاء (جاءوا) به عدو (أعداء) البلاد وولوه حكم البلاد والعباد.. هكذا تقول الحكمة وهكذا يقول التاريخ وهكذا يقول بيرم التونسي!
