من راح استراح
وسط هذه المذبحة التي لم يسجل التاريخ الحديث مثالًا لها ما زلت أقول إن من راح استراح، ومن بقي يعيش حالة من البؤس والقلق والموت البطيء، من بقي يعاني حالة من حالات الاحتلال الداخلي المقيت، يمارس الهروب وهو يعلم ان داخله سجن بغيض، يرى من أمامه موتًا ومن خلفه موتًا دون أن يموت.
تحرير أهل غزة من الخوف
ما معنى أن تعيش محاصرًا في أفكارك وفي خواطرك وفي أحلامك؟ ما معنى أن يهبك الله نعمة الوجود وتفرض عليك كل علامات الغياب؟ وما معنى أن يمنحك الله حرية الاختيار وأنت مجبر على اليقظة وعلى المنام وعلى القول وعلى الصمت وعلى فعل ما لا ترغب فيه أو تسعى إليه؟
من لا يزال منا على قيد الحياة ممسكًا بتلابيب الاعتقال الداخلي كمن راح ولم يسترح، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، محاصرًا في عيشه وفي طريقة رحيله وفي زاده وفي سفر على غير رغبة منه.
تحرر أهل غزة رغم القصف ورغم التدمير ورغم آلة القتل التي يمارسها العالم المحتل بالخوف والرهبة والعرب، ضد إنسانية أهلها ورغبتهم في الانطلاق نحو حرية غير كل الحريات وغير كل الملاذات وغير كل المآلات، تحرر أهل غزة من استعباد الشيطان الأكبر الذي أمعن في حبس الأنفاس ووأد البنات والأولاد وبقي العرب والعجم على عهدهم في الاعتقال الذاتي.
استعباد الإنسانية
تحرروا ونحن نعايش الاستعباد ونعيشه ظرفًا زمانيًّا ومكانيًّا ويمضي فينا وفي أوردتنا ويدخل إلى قلوبنا متدفقًا فيتمدد في أطرافنا سمًّا زعافًا يقضي على ما تبقى من بشريتنا التي خلقنا الله على فطرتها الرافضة لكل ما هو استعباد، نسير عكس اتجاه النفس وما فطرت عليه ويا لها من مسيرة غير مباركة.
فرض عليهم القتال وهو كره لهم، فساروا في طريقه غير نادمين، يحررون البشر مما علق بهم أدران الذل والهوان والخضوع والخنوع، ساروا في درب النور إلى نور الأبد وسرمد الحياة التي ليس بعدها موت، خالية من التعب والنصب والإهانة والاستهانة.
ساروا بقرارهم فلم تخضع نفوسهم الأبية ولم تلوث فطرة الأولين فيهم فأصبحوا قليلًا من الآخرين مع ثلة من الأولين، ساروا في طريق اليمين وما أدراك ما أهل اليمين، دانوا بما دان بهم السابقون، والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم، ساروا وتركونا في سموم وظل من يحموم.





