رئيس التحرير
عصام كامل

أزمتنا.. من يديرون الأزمة

كلكم تذكرون رائعة محمد صبحى «سنبل فى رحلة المليون» عندما اكتشف سرقة مخزن فرج، فذهب مغاضبًا المعلم الكبير وهو يتهدده ويتوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور وما ينتظره من ويلات الحروب.
 

وقف سنبل مشدودًا بإباء وكبرياء ذهب إلى أقصى درجات التهديد للمعلم بعد أن رتب مع فرج الذى سيأتى له برجال أقوياء لتأديب المعلم ورجاله. وبعد وصلة من التهديد تنفس بقوة رافعًا صدره إلى الأمام وهو يقول: «خش برجالتك يا فرج»، ولم يكن مع فرج رجال ولا حتى نساء، وينتهى المشهد وسنبل مع فرج يُطحنان ضربًا وركلًا وتأديبًا.


و«سنبل» هو ذلك الإنسان الصبور المتحمل فى مواجهة المافيا والأزمات والظلم.. ماذا لو تصورنا أن الدكتور مصطفى مدبولى وهو يقف أمام الأزمة الاقتصادية الطاحنة والمتوقعة منذ زمن توليه رئاسة الوزراء أو إن شئت الدقة قل من قبلها.


يقف الدكتور مصطفى مدبولى والمواطنون يراقبون عن كثب.. مدبولى يقول بصوت عالٍ: «خش برجالتك يا فرج»، ويدخل فرج عليه أمام شبح الغلاء والضياع الاقتصادى دون أن تكون بصحبته رجال ولا نساء ولا حتى أطفال.
الأزمة الاقتصادية ليست واردًا من الخارج كما يحاول البعض تصويرها، الأزمة الاقتصادية الطاحنة من صنع أيدينا، ومن تأليفنا وإخراجنا، ونحن من كتبنا سيناريوهاتها، وقد كتبناه على أنفسنا.


بجهل أو بغير علم فعلنا فى أنفسنا ما نحن عليه، فالمضى قدما دون دراسات ودون هيئات استشارية أو دراسات جدوى «بعزقنا» ما نملك وما لا نملك فى الفاضى وفى المليان.. حتى الآن فى قرانا لا يُعد الفلاح فلاحًا ناجحًا إن لم يمتلك بقرة حلوبًا وحمارًا حمالًا وغرسًا نابتًا طوال العام، فإن فقد إحدى الأدوات الثلاثة حسبوه على طائفة الفاشلين، فهو ليس فلاحًا ابن فلاح.

الأزمة الاقتصادية والمشكلة الحقيقية 


وبقرة المواطن تحظى بما يحظى به أهل البيت من الرعاية، وحمار الفلاح يلقى اهتمام أهل البيت بأهله، وبذرة الأرض تسخر الفلاح وأولاده طوال العام.. أسرة الفلاح تصح إذا ما صحت البقرة وتنعم إذا نَعِم الحمار ويعلو قدرها برعاية البذرة، تلك هى القيمة الحقيقية لاستمرار الحياة بالإنتاج ولا شيء غير الإنتاج.


و«فرج» ليست لديه المعونة اللازمة لإنقاذ الدكتور مصطفى مدبولى أو غيره، فرج قُلمت أظافره وزُج به فى طاحونة الديون وشبح الحاجة والعوز والغلاء، «فرج» لم يجد ولن يجد معه من يعين الحكومة فى أزمتها التى صنعتها بنفسها لا بغيرها.


المواطن نفسه يبحث عن فرج وكل فرج، والحكومة ليس لديها فرج، وليس لديها تصورات لأى فرج، فالفرج رهين كل بقرة حلوب وحمار حمَّال وبذرة مغروسة فى الطين، وحكومتنا غرست الأسمنت بديلًا عن البذرة، والأسمنت لا يأتى بثمار.


ليست الأزمة الاقتصادية هى المشكلة الحقيقية التى تواجهنا، وإنما أزمتنا أن من يديرون الأزمة هم أنفسهم الأزمة، فإن رأيتَ غير ما أرى فلتقل لى عن وزير واحد لديه رؤية.. وزير واحد!
 

بعد هزيمة 67 كانت مصر فى وضع لا يمكن تصوره، جيش منهار، وأمة منكسرة ومحطمة، واقتصاد فى الحضيض، فكيف وقفنا وكيف عدنا وكيف انتصرنا؟
آمن القائمون على الأمر أن إدارتهم هى سبب الأزمة، وقال عبد الناصر عبارته الشهيرة إن هذا الشعب كان من حقه ضربنا بالأحذية، وأعاد فى محاضر اجتماعات مجلس الوزراء -الذى أصبح رئيسه- الاعتبار للرأى الآخر، وقال للجميع: اصدقونى القول.


وشهدت هذا الاجتماعات نقدًا ذاتيًّا عظيمًا لما آلت إليه الأمور وأسبابها، وانحراف البعض عن المسار والانفراد بالرأى الواحد واستبعاد الرأى الآخر.. وقف عبد الناصر بنفسه عند مكامن الخطر فى التجربة، وقدم نقدًا ذاتيًّا لما فعله الثوار بمصر وجيشها وشعبها وقرر الإصلاح، وكان صادقا فيما يؤمن به من ضرورات الحل.

 


تعرضت مصر لأزمات عنيفة على مدار تاريخها، وأدركت أن الانفراد بالرأى وتغييب الرأى الآخر هو الخطر الحقيقى الذى يهدد الأمم فى بقائها ووجودها وحياتها.

الجريدة الرسمية