رئيس التحرير
عصام كامل

المطرب الذي خسرته البشرية

داخل كل منا مطرب يظهر في وقت الشدة، لهذا تخرج مواهبنا في الحمام، في أثناء قضاء الحاجة، والحاجة أم الاختراع واللي اشترى خير ماللي باع يا بتاع النعناع. فاكر وأنا عيل صغير كنت أحلم بأن أكبر وأصير مطربًا شهيرًا، يشار له بالبنان، وكان مثلي الأعلى وقتها المطرب الشاب –وقتها برضو– على الحجار بحنجرته القوية وتفاحة آدم البهية التي كنت أتابعها وهي طالعة نازلة دون كلل أو ملل كما الأسانسير في برج الشيماء بحدايق الأهرام.

 

لا أعرف لماذا كنت مفتونا بأغنية «داري العيون داريها»، ففي هذا السن الصغير كنت أحفظها عن ظهر قلب ويمكنني تسميعها، كما يسمع العيل فينا جدول الضرب على نفس واحد وكأنه يعب كوب فوار بطعم البرتقال المعقم وهو يسد فتحتي أنفه.

الحجار وسميرة سعيد

بالنسبة لي كان علي الحجار هو المطرب رقم واحد، لا أعرف لماذا، لكن يمكنني التخمين أن المتاح وقتها لم يكن بهذه الوفرة التي نراها اليوم، ولم تكن مطربات الصورة بلا صوت قد ظهرن بعد، وإلا كنت أغرمت بواحدة منهن في هذا السن إذ كنت أقرب إلى رضيع ما زال يحبو، وكلنا يعلم أن الرضيع دائما ما يحن للصدر الحنين، خصوصا وأن الرضاعة وقتها كانت مجانا وليس بمقابل أجر.

لكن.. رغم أن علي الحجار كان مطربي المفضل وقتها، إلا أنه يمكنني أن أتذكر أول أغنية حفظتها وكانت لدي القدرة على غنائها كاملة. لا يمكنني أن أنسى ذلك اليوم رغم صغر سني.. كان أبي -رحمة الله عليه - وقتها مريضًا، ونادتني أمي إلى غرفته، فدخلت ووجدته ممددًا على السرير ذي الأعمدة النحاسية المحاطة داير ما يدور بالناموسية البيضاء المخرمة.

وقتها طلبت مني أمي أن أغني لأبي، كانت تريدني أن استعرض مهارتي أمامه لعل ذلك يساهم في تحسين صحته، ففرحت رغم خجلي وبدأت أغني (قال جاني بعد يومين يشكيلي بدمع العين).. هي بعينها أغنية المطربة الكبيرة والتي مازالت بكيسها كما بنت سبعتاشر، سميرة سعيد ربنا يعطيها الصحة والعافية..

انتهيت من الغناء ويبدو أن الأغنية أثرت في صحة والدي فعليا، فقد ساءت حالته بشكل أكبر، ما دفعني محبطًا لأن أعتزل الغناء قبل أن أبدأ مشواري رأفة بوالدي المسكين، وغيره من بني البشر الذين قد يتأذوا بسببي لا سامح الله. وهكذا خسر العالم مطربا لم يكن ينقصه سوى الموهبة والحضور والصوت الحلو.

الجريدة الرسمية