رئيس التحرير
عصام كامل

أجنة عمرها 90 عاما وعينات طبية نادرة.. «فيتو» ترصد ميراث نجيب محفوظ في عالم النساء والولادة

فيتو
18 حجم الخط

قبل ما يقرب من 90 عاما، جمع طبيب النساء الأشهر، نجيب باشا محفوظ، 1300 عينة من حالات نادرة وغامضة في علم النساء والتوليد، وقرر ضمها إلى مقتنيات أخرى، أسس بهم متحفا افتتحه عام 1929 داخل كلية الطب بقصر العيني، كي يكون مرجعا للطلاب والباحثين.


مضت سنوات طوال، عرف خلالها الإهمال طريقه نحو المتحف، وتعرضت بعض المقتنيات لخطر التلف، على الفور تحركت أسرة نجيب باشا بالتعاون مع قصر العيني، وتحديدا قسم النساء، لتُعيد ترميمه وتجديده بالكامل على نفقة العائلة.



داخل المتحف وضعت مقولة تشرح مشروع نجيب باشا محفوظ "إذا لم تكن أعطيت الناس نفسك، فأنت لم تعطهم شيئا"، لتلخص فلسفة الرجل في الحياة.


إضاءة خافتة، في الخلفية يأتي صوت موسيقى هادئة، تشعر كأنك في قطعة أخرى غير التي مررت فيها التي تعج بالنساء والممرضات والطبيبات، عند دخولك تجد تمثالا لنجيب باشا محفوظ في مواجهتك تماما، على يسارك عدد من الصور للمراحل المختلفة في حياته، صورته وهو طفل ومن ثم الشباب حتى الكهولة، على يمينك يوجد بروجيكتور يعرض تاريخا حافلا من الإنجازات للطبيب المعجزة، وفي الردهة المقابلة على يمينك وعلى يسارك تجد عينات كثيرة من أجنة مشوهة وأجنة لم تكتمل أعضاؤها في شكل أقرب إلى التحنيط والكثير من العينات الطبية التي من الصعب العثور عليها في ذلك الوقت، في الخلف توجد قاعة محاضرات مصغرة وجهاز لعرض الأفلام التسجيلية وصور العينات، وبالعودة إلى الردهة تجد في شكل درامي الأدوات التي كان يستخدمها نجيب باشا محفوظ في الولادة مع تطور تلك الأدوات، بداية من البانيو الصغير الذي يوضع فيه الطفل الذي يعود إلى عام 1890 وصولا إلى الكرسي الذي مثل في أوقات سابقة الولادة، تتوسط الردهة حافظة لمجلدات ورسومات بخط اليد لنجيب باشا محفوظ.


قبل أيام، بالتحديد 20 مارس المنصرم، احتفى قصر العيني بإعادة افتتاح المتحف، الذي يعد أكبر وأول متحف طبي من نوعه في الشرق الأوسط، إذ يضم بين جدرانه 1300 عينة طبية نادرة ومختلفة، فضلا عن رسومات تشريحية ومجلدات تصلح لأن تكون منهجا علميا متكاملا ومشروع متفرد عن الأجنة والولادات المختلفة.

الحكاية بدأت من المنصورة إحدى مدن محافظة الدقهلية، وبالتحديد عام 1882 ميلاديا حيث رزق تاجر القطن "ميخائيل محفوظ" بطفل أسماه "نجيب".

بدأ الطفل "نجيب" حياته كسائر أبناء مدينته، في منزل يطل على النيل مباشرة - نهر الحياة عند المصريين - انتهل منه الولد الشبق بالعلم والتعلق بكل ما هو جديد، التحق في سنوات عمره الأولى بمدرسة الأمريكان فتعلم اللغات وبات متفوقا بين أقرانه، اكتشف في سنوات حياته الأولى تعلقه بالعلم والاكتشاف، وبدأ حياته العلمية في سن مبكرة.



لظروف عائلية اضطر "نجيب" أن ينتقل مع شقيقته الكبرى إلى القاهرة وهناك التحق بالمدرسة التوفيقية الثانوية ولنبوغه حصل على شهادة البكالوريا في ثلاث سنوات بدلا من خمس، ومن ثم التحق بمدرسة الطب عام 1898، حيث تلقى تعليمه وتدريبه على أيدي الأساتذة الأوروبيون.

المحنة بداية النبوغ
في شهر يونيو من عام 1902م كانت مصر على موعد مع وباء الكوليرا القاتل، لتظهر علامات نبوغ تطغى على شخصية نجيب، إذ تم تجنيده للمساهمة في مكافحة الوباء وكان الدور الموكل له الكشف عن الحالات الواردة إلى القاهرة من خلال محطة السكة الحديد الرئيسية، إلا أنه طلب نقل خدمته إلى قرية (موشا) الواقعة بجوار أسيوط معقل الوباء ونجح في تعقب حالات الكوليرا واكتشاف المصدر الرئيسي وهو بئر ملوث داخل منزل أحد الفلاحين.



نبوغ "نجيب" بدا واضحا للعيان، ويبدو أن الشاب النابغة أراد أن يحدث فارقا مختلفا عن من سبقوه، إذ طلب من عميد كلية طب قصر العيني إحضار أطباء مدرسين من الخارج لتعليمه علم أمراض النساء والولادة، ليصبح فيما بعد واحدا من أهم وأفضل أطباء أمراض النساء والتوليد في مصر والعالم العربي. 

يقول الدكتور محمد ممتاز رئيس أقسام أمراض النسا والتوليد بقصر العيني، "بدأ دكتور نجيب باشا محفوظ حياته بين جدران قصر العيني طبيب تخدير، إلا أن شغفه بعلم الولادة كان دافعا قويا، لأن يبحث عن دور مختلف له، وطالب باستدعاء أطباء أجانب ليتعلم على أيديهم، وقد كان".



من الممكن أن تقول نجيب محفوظ كان يمتلك مشروعا كاملا أفضى سنوات عمره التي وصلت إلى 92 عاما في التحضير لها، يقول ممتاز: "كان يملك رؤية خاصة، وفعل في مجال النساء والتوليد ما لم يسبقه إليه أحد، خاصة أن الثقافة الشعبية وقفت حائلا أمامه، ولم يكن من المقبول أن تلد المرأة على يد طبيب وكانت الداية وقتها هي السبيل الأول والأخير لكل نساء مصر". 



لم يقف الطبيب الشاب وقتها مكتوف الأيدي أمام الثقافة الشعبية الرافضة لوجود طبيب، فكان يعرض خدماته مجانا دون مقابل، وتعرف على عدد من الدايات وكان يذهب معهم في حالات الولادة وأصبح على تواصل مع عدد كبير منهم، إلا أنه فوجئ في أحد أيام عام 1911 أن إحدى الدايات تطلبه سريعا لأن يحضر لوجود حالة ولادة متعثرة لمرأة ووجود خوف على الجنين، فما كان منه إلا أن جمع أدواته وذهب ليولد الطفل على يديه، كان هذا الطفل نجيب محفوظ الأديب العالمي، الذي سمي بالاسم المركب تيمنا بالطبيب الذي جاء به إلى الحياة. 


استمرت نجاحات دكتور نجيب باشا محفوظ على مدار حياته ولإيمانه بما يفعل يقول الدكتور محمد ممتاز: "جاء برسامين من فرنسا وإيطاليا على نفقته الخاصة لرسم الأجنة والبويضات والانسجة ليضعها في كتاب خاص به يسهل على الباحث الوصول إلى كافة المعلومات، لم يبخل نجيب يوما على العلم، لعله الطبيب الأول في مصر الذي أحضر مصور سينما أجنبي إلى مصر مع شرائط فيديو ملونة عام 1952 آنذاك لم تكن تلك التقنية دخلت مصر، ودفع تكاليفها من جيبه الخاص لتسجيل العمليات المتعثرة لتكون منهلا للعلم لمن يعقبه من الأطباء والدارسين".



استمر نجاح نجيب باشا محفوظ سنين طويلة ألف الكتب والمراجع ألقى محاضرات في الداخل والخارج، حصل على الأوسمة والجوائز العلمية والكثير من الإشادات.

بعد وفاته بما يزيد على الـ50 عاما، قرر تلاميذ نجيب محفوظ في مستشفى الولادة بقصر العيني، إعادة إحياء متحفه وتجديده بشكل يتناسب مع قيمته العلمية وتاريخه المشرف، ويحكي الدكتور ممتاز القائم على الفكرة كيف بدأ المشروع: "جميع العاملين في أمراض النساء والتوليد على علم بقيمة وقامة نجيب باشا محفوظ، وكنا نريد أن نخلد اسمه فجاءت فكرة إعادة إحياء المتحف".

لم تكن تلك المحاولة الأولى من نوعها إلا أن جميعها باءت بالفشل لقلة الموارد فضلا عن وجود نية حقيقية لتحقيق ذلك الهدف، حمل ممتاز على عاتقه مسئولية تحقيق الحلم: "تواصلت مع أسرة نجيب باشا وأبدوا استعدادهم التام للمساهمة في تجديد المتحف بل وصل الأمر إلى تحمل كافة التكاليف المادية، وأمدونا بأوراق خاصة وكتابات بخط اليد وضعناه داخل المتحف". 

"في بادئ الأمر كانت عينات نجيب باشا محفوظ موضوعة في إحدى الغرف في دواليب خشبية، كل عينة في حافظة خاصة بها وكان الشكل العام غير مريح للعين، وفي الوقت نفسه كنا نملك غرفة كبيرة نستخدمها "مخزن" ولا نستفاد منها، فقررت أن تكون هي مقر الجديد للمتحف".. يقول رئيس قسم أمراض النساء والتوليد.


موقف الأسرة من تمويل عمليات تجديد المتحف يتحدث عنها أحد أحفاد نجيب باشا الدكتور يوسف سميكة: "فوجئنا باتصال من دكتور محمد ممتاز بأحد أفراد الأسرة الدكتور نجيب أبادير وهو أحد الأحفاد وزميل دفعة لدكتور ممتاز يحادثه فيه عن طلبه لإنشاء متحف على الطريقة الحديثة لمقتنيات ومعروضات نجيب باشا محفوظ، فكان موقفنا إيجابي منذ اللحظة الأولى وتولينا من الناحية المالية تمويل المتحف كاملا، البعض يضع أموالا في شقة أو سيارة لكن العلم يأتي في الأولويات الأخيرة، لذلك حرصنا على تمويله ليظهر للنور مرة أخرى خاصة أن المتحف في بادئ الأمر كان تحول إلى ما يشبه المخزن".

ويضيف سميكة: "جدي كان لديه مشروعا علميا كبيرا من الصعب إغفاله في تاريخ علم الولادة في مصر، خاصة أنه يعد واحدا من واضعي ذلك العلم في وقت كانت الداية الاختيار الأول في حالات الولادة، وكان ضمن حرص جدي نجيب باشا محفوظ على علمه، أنه كان يخرج الأموال من خزينته الخاصة لينشر علمه فأتى بمصورين أجانب ورسامين ليصنع حقل علمي متكامل وواضح لتلاميذ يعقبونه، وأذكر أنه قبل أيام كان هناك عدد من الأطباء الأجانب أبدوا انبهارهم بتلك العينات خاصة أنهم لم يروا مثيلا لها في هذه الأيام، ندرك جيدا أن جدي صنع تاريخا نخشى أن يتم إغفاله".
الجريدة الرسمية