رئيس التحرير
عصام كامل

روائع الخيانة في السينما المصرية (3)


كل ما عليك هو إحضار ممثلة جميلة ذات ملامح بريئة، وأمامها شاب وسيم بصوت متحشرج دومًا وعيون براقة لامعة.. ثم ينتهى كل شىء، نعم تنتهى قيم الشرف والوفاء والعفاف والكرامة وتستبدلها بقيم فاسدة تبرر الخيانة وتجملها، بل تجعلها أيقونة خالدة تتجاوز حدودها لتتحول لأسطورة تصب الخيانة والدياثة عسلا صافيًا وعشقًا أبديًا قدريًا في نهر الحب!


هذا ما حدث في الفيلم الشهير والذي يحمل اسم (نهر الحب) وكان أولى به أن يكون نهرًا للخيانة والانحلال والدياثة، لكن السيناريو المحكم والإخراج المميز للراحل عز الدين ذو الفقار، والذي مصر رواية ليوتولستوى (أنا كارنينا)، جعل من الزوجة الخائنة والمنحلة قديسة عفيفة طاهرة وشهيدة للعشق البريء القدري!

استغل المخرج ببراعة يحسد عليها مفردات السيناريو الذي كتبه بحرفية عالية ومتقنة، فاختار ممثلين مناسبين جدًا لأدوارهم، فمثلا الزوج متصلب المشاعر، الأناني والمتكبر، قاسي القلب، والذي جسد دوره ببراعة شديدة الراحل العظيم زكى رستم، كان دومًا محل مقارنة مباشرة وغير مباشرة أحيانًا مع العشيق الرقيق الوسيم (المسهوك) والذي لعب دوره النجم العالمى عمر الشريف، والذي منح الزوجة الرقيقة المسكينة كل ما كانت تفتقده من رقص وأحضان وقبلات.. لا يهم أن هذا خارج إطار الزواج، والمفترض فينا كمشاهدين ألا تكترث إطلاقًا بأن هذه علاقة محرمة، زنا فاضح وخيانة دنيئة مقززة.. ولكن لا.. لا تهتم، المهم هو إشباع حاجة العصفورة الرقيقة الخائنة والتي جسدت دورها فاتن حمامة رقيقة الملامح والتي ارتضت لنفسها لقب سيدة الشاشة العربية!

ثلاثية القدر والخيانة والدياثة
على مدى أكثر من ساعتين، حاول صناع الفيلم إقناعنا بأن العلاقة المحرمة بين الزوجة وعشيقها هي مجرد قدر بحت ونصيب مقسوم لهما، فالعشيقة أو البطلة الرقيقة تقابل الحب الجديد صدفة في قطار، يراها نائمة كالملاك، أو هكذا يصفها صديقه الرسام المنحل أو الديوث، والذي يعمل دومًا على منح إياهم الفرصة للخلوة الحرام.. ومع ذلك نراه شخصًا مبهجًا، خفيف الدم، فنان رقيق المشاعر أيضًا، وكأن ما يحدث هو شيء ظريف جميل مبهج وليس علاقة خيانة ودياثة!

تتكرر صدف لقاء العشيق المتيم بعشيقته في أماكن مختلفة وفى أوقات متقاربة تارة ومتباعدة تارة أخرى، وكان القدر يبارك تلك العلاقة الآثمة، ودومًا تكرر ذلك، صراحة الزوجة الباحثة عن حب جديد يعوضها جفاء زوجها رجل الدولة الصارم.. وزير وباشا ومليونير وفضلا عن ذلك فقيه قانونى، لكن كل هذا لا يكفى بل تراه مبررا لخيانتها له بل تسخر منه عندما يذكرها بأن خيانتها تستوجب الرجم!

الأخ الديوث صراحة والزوج شبه الديوث أيضًا!
المؤسف في أحداث الفيلم كثير جدًا، لكن الأسوأ على الإطلاق، هو مباركة الشقيق لشقيقته في خيانتها لزوجها، بل إنه يمتدح هذا العشيق ويصرح بأنه يحترمه، بل أكثر من ذلك، تراه يعمل كوسيط يحمل خطابات العشق بين الاثنين! ولم لا، فشقيقته تلك أنقذته من دخول السجن بزواجها من الباشا في الماضي لأنه كان قد خان أمانته واختلس أمولا مؤتمن عليها، ثم يقوم بعد ذلك بخيانة زوجته مع الخادمة، وتهذب شقيقته ملاك الحب للإصلاح بينه وبين زوجته.. أسرة منحلة هي إذن، لكننا علينا أن نلتمس لها العذر في الخيانة والدياثة لأن كل هذا بسبب الحب.

وهل الحب يقاوم يا سادة.. الحب ملوش كبير على رأى أحد المطربين! وأيضًا تم تجسيد الزوج الباشا في مرحلة ما قبل يوليو1952 بأنه شبه ديوث، يخشى فقط على سمعته ومستقبله السياسي أكثر من حرصه على شرفه وعرضه، بل إنه يمنح هذه الزوجة الخائنة الفرصة للغفران بشرط ترك العشيق!

إذا كان هذا الفيلم بهذه القيم الفاسدة الضالة قد تم عرضه عام 1960، ونجح نجاحًا كبيرًا لدرجة أن إحدى القنوات الفضائية قد عرضته الخميس الماضي، احتفالا بيوم المرأة العالمي، فعلينا أن ننتبه لما يقدم لنا من بذاءات باسم الفن، والفن قطعًا منها براء، وعلينا ألا نندهش من عرض أعمال هدامة للقيم ومنافية للوجدان السوى مثل "سابع جار" أو"هبة رجل الغراب" فهما وغيرهما تطور طبيعي للبذاءة ولثلة من الأشخاص الذين يرون أن هذه أشياء عادية لا تستحق غضبنا أو حتى مجرد انتقادنا لها وإلا تم وصمنا بالتخلف والرجعية.. انتبهوا يا سادة، فالقيم في خطر والمجتمع يتفكك بسبب تلك البذاءات التي تروج لكل ما هو قبيح.
fotueng@gmail.com
الجريدة الرسمية